
ست ساعات من العياط المتواصل كانوا كفيلين يخلّوا مراد الدمنهوري، من أكبر وأقوى رجال الأعمال في القاهرة وأكثرهم هيبة، يفقد أعصابه. وكل اللي في المطعم كانوا عارفين كويس إن محدش يقرب منه. لحد ما أنا مشيت وسط الصالة، وقفت قدامه، وبصيت في عينه من غير ما أتهز، وقلت: — إنت كده بتوجّع ابنك بإيدك.
كنت شغالة شايلة أطباق في مطعم «ليالي النيل» لما صوت عياط البيبي بدأ. في الأول، كل واحد حاول يعمل نفسه مش سامع. بس بعد ست ساعات؟ محدش قدر يتجاهله. وش البيبي كان أحمر من كتر العياط. كان يصرخ لحد ما نفسه ينقطع، ياخد نفس بالعافية، ويرجع يعيط من أول وجديد. مراد قال بصوت واطي جدًا: — خلّوه يسكت. والغريب إن صوته الهادي كان أخوف من أي زعيق. المديرين اختفوا من قدامه، ورجالته فضلوا يجرّبوا كل حاجة عشان يهدّوا الطفل. واحد منهم، من شدة توتره، رجع بكوباية لبن بقري! وأول ما البيبي عيّط تاني، حسيت بحاجة جوايا اتكسرت.
أربع سنين اختفوا من قدامي في لحظة. رجعت أفتكر ابني آدم وهو عنده كام شهر، وأنا واقفة في أوضة في المستشفى، بحاول أخلّيه ياخد نفسه، والأجهزة حوالينا بتطلع أصوات متقطعة وهي بتقيس ضربات قلبه اللي كانت بتضعف واحدة واحدة. آدم ما رجعش البيت، ورحل عن دنيانا. بعدها بطلت كلية التمريض. المستشفيات بقت بالنسبة لي مكان مستحيل أقدر أدخله، فبدل ما أبقى ماسكة ملف مريض وسماعة، بقيت بشيل صواني وأطباق. بس رغم كل اللي حصل… كنت لسه عارفة شكل الوجع. وعارفة إن ابن مراد كان بيتوجع.
حطيت الصينية على الترابيزة. المدير مسك دراعي بسرعة وقال: — إوعي تعملي حاجة. بصيت له. — الطفل محتاج مساعدة. وشه اتشد وهو بيهمس: — إنتِ عارفة ده مين؟ — عارفة. — ده مراد الدمنهوري. — وأنا عارفة. قرب مني أكتر وقال: — إحنا مالناش دعوة الليلة دي. نشتغل ونسكت. لكن صرخة جديدة خرجت من البيبي، وكانت أقوى من كل مرة. سحبت دراعي من إيده. — مش بعد دلوقتي.
ومشيت ناحية مراد. واحد من الحرس وقف قدامي. — ارجعي شغلك يا آنسة. بصيت له وقلت: — إنتوا كده بتخوّفوا البيبي أكتر. وشه اتغير. وفي اللحظة دي، مراد رفع عينه وبص ناحيتي. — سيبها تعدي. رجالته اتحركوا فورًا. مشيت لحد السرير الصغير، وبصيت على البيبي. رجليه كانوا مضمومين ناحية بطنه، شعره مبلول من العرق، وظهره بيتقوس كل ما يصرخ. مراد كان واقف قدامي، عينه باردة وثابتة. راجل متعود إن كل حاجة حواليه تمشي بأمره. كل حاجة… إلا ابنه. قال: — إنتِ تقدري تسكتيه؟ رديت بصراحة: — ممكن. عقد حواجبه. — ممكن؟ — لازم أشيله الأول. واحد من رجاله ضحك بسخرية، لكن مراد ما ضحكش. قال لي بصوت بارد: — لو حصل لابني حاجة، مش هتلاقي حتة في البلد كلها تقدري تختفي فيها. ثبتُّ عيني في عينه وقلت: — هو بيتوجع دلوقتي. سكت المكان كله.
رجالته بصوا لي كأني لسه موقعة على أمر إنهاء خدمتي بإيدي. لكن في نفس اللحظة، ابنه صرخ تاني. والغريب إن وش مراد، لأول مرة، فقد كل غضبه. بقى مجرد أب مرعوب. قال: — اعملي اللي تقدري عليه.
شيلت البيبي بحرص. وأول ما وزنه استقر بين إيديا، قلبي اتقبض. لثانية واحدة، حسيت إني رجعت لأربع سنين فاتوا. رجعت حاسة بآدم وهو بين إيديا. نفس الدفا… نفس الحجم الصغير… ونفس الخوف اللي كان بيغمرني. غمضت عيني لحظة، ودفنت الذكرى جوايا. وبعدين همست للبيبي: — خلاص يا حبيبي… أنا معاك. حطيته على دراعي، وبطنه لتحت، وبدأت أربّت على ضهره بهدوء. وبعد شوية قلت: — بطنه مشدودة جدًا. مراد سأل بسرعة: — يعني إيه؟ — ممكن يكون عنده مغص شديد أو غازات. كل ما يعيط أكتر، بيبلع هوا أكتر، وده بيزود الألم ويخليه يعيط أكتر. بص لي باستغراب. — مغص؟ — أيوه.
فجأة، عينيه ضاقت. وقال بجدية شديدة: — مين اللي عمل فيه كده؟ فضلت باصة له ثواني. أقوى راجل في البلد… الراجل اللي الناس بتخاف حتى تنطق اسمه… كان فاكر إن المغص ده أكيد وراه حد يستاهل يتعاقب. وقبل ما أقدر أرد… البيبي سكت. تمامًا.
مراد قام من مكانه بسرعة. أنا بصيت للطفل. لكن قلبي وقع في رجلي. لأن البيبي ما بقاش بيتحرك زي ما كان من ثواني. إيديا تلجت. وبصيت على وشه… وفي اللحظة دي فهمت إن العياط اللي خوّفنا كلنا ما كانش أصلًا أكتر حاجة مرعبة. لأن اللي جاي كان محتاج تصرف سريع…
شفتاه الصغيرتان تغير لونهما قليلًا، وجفناه انطبقتا على بعضهما بوهن شديد، كأنما هجرته آخر ذرة من طاقته بعد ساعات العياط المنهكة. شابك غريب سرى في عروقي، ونبرة الخوف المستترة التي لمعت في عين مراد الدمنهوري جعلته يبدو في تلك اللحظة أبًا حقيقيًا مكسورًا، وليس ذلك الرجل القوي الذي يخشاه الجميع. قلت بلهفة وتوتر غطى على أي ذرة خوف: — هات شنطة إيده بسرعة! الولد بياخد نفسه بصعوبة… دي أزمة حساسية أو ارتجاع من كتر البكاء واللبن اللي شربه غلط!
اقترب مراد بخطوات حذرة، وفتح الحقيبة التي كانت ملقاة بعيدًا. ناولتني بخبرة التمريض السابقة حقنة الطوارئ المخصصة للأطفال، وقلبي يدق بصرامة. — امسك راسه كويس، من غير ما تحرك رقبته، قلتها له بصوت حاسم أمرت فيه أكبر رجل في البلد دون أن أشعر. نفذ مراد ما طلبته فورًا، وعيناه مسمرتان على وجه ابنه شريف. في تلك اللحظة، كنت أرى انعكاس ابني الراحل «آدم» في كل نبضة لهذا الصغير. وبأصابع دقيقة، أخذت الإجراء المناسب ببطء بينما الوقت يتوقف حولنا في المطعم الصامت تمامًا.
ثوانٍ معدودات مرت كأنها الدهر. صدر الصغير ارتفع فجأة، وكأن الهواء أُعيد إلى صدره، ليطلق بعدها سعلة خفيفة تلتها شهقة عميقة مليئة بالحياة. عاد النور إلى وجهه الوردي تدريجيًا. أما مراد، فنزل على ركبة واحدة بجانب السرير الصغير، ووضع وجهه بين كفيه لفترة قصيرة، لأول مرة يرى الجميع أثره الإنساني العارم. وعندما رفع رأسه، كانت عيناه محمرتين، ومد يده ببطء ليلمس خصلات شعر ابنه الرقيقة بأصابع ترجف.




