
وقف مراد، وعدل بدلته الفاخرة، وعادت ملامحه الحادة الثابتة، لكنه نظر إليّ نظرة تحمل معاني أعمق بكثير من التهديد أو الامتنان. قال بصوته الأجش الهادئ: — اسمك إيه؟ — فريدة. — يا فريدة… المطعم ده بكل اللي فيه، ابتداءً من الليلة، بقى ملكك. وأي حد هيقف في طريقك في البلد دي، اعتبريه مش موجود. هززت رأسي بهدوء، وأعدت الطفل إلى حضنه بحنان، وقلت بثبات: — أنا مش عايزة ملك، يا أستاذ مراد. أنا بس رجعت أفتكر إني لسه أعرف أداوي الوجع. ابني رحيلُه كان عشان ما لحقتش أعمل ده… لكن شريف عاش.
هز مراد رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة باهتة حاملًا ابنه على أذرعه، وخرج من المطعم وسط حراسة مشددة، تاركًا خلفه صالة كاملة من المذهولين. في تلك الليلة، أدركت أن الحياة قد تأخذ منا أغلى ما نملك في لحظة قاسية، لكنها قد تعيد لنا جزءًا من أرواحنا المكسورة في أكثر الأماكن غير المتوقعة… تمامًا حيث يلتقي أشد رجال العالم بدمعة طفل صغير وبريئة.




