
### **الجزء الأول**
بدأت الضحكات قبل أن تنهي ابنتي نزع غلاف الهدايا.
في البداية، لم تضحك سوى شقيقة العريس.
ضحكة قصيرة وحادة اختبأت خلف كاسها.
ثم انضم إليها اثنان من أصدقاء العريس، يليهم عمُّ «خالد»، الذي مال نحو زوجته وهمس بشيء جعل الاثنين يبتسمان.
وما إن رفعت «أمل» زيَّ الخادمة الرمادي من علبة الهدايا الذهبية، حتى خيّم الصمت على معظم قاعة الاحتفال.
وحدها طاولة عائلة «العمري» استمرت في الضحك.
كانت ابنتي تقف تحت ثريا ضخمة شديدة الإشراق تتناثر أضواؤها كريستالياً على فستانها الأبيض. كُمّاه الحريريان يغطيان معصميها، وحبات اللؤلؤ الصغيرة تتراصف بأناقة على طول الياقة. قَضَت أشهراً وهي تختار ذلك الفستان، لا لأنه كان الأغلى بين ما جربته، بل لأنه جعلها تشعر بأنها تعبّر عن ذاتها حقاً.
والآن، كانت تمسك بالزي الرمادي البسيط بكلتا يديها.
وقد ثُبّتت بطاقة اسم بلاستيكية فوق جيب الصدر:
**حَرَمُ السيد العمري**
حدّقت «أمل» فيها.
وبدأت أناملها ترتجف.
كانت والدة «خالد»، «سعاد الهواري»، تجلس على الطاولة الرئيسية متأنقة بثوب أحمر ضيق وأربعة عقود من اللؤلؤ. صففت شعرها المصبوغ بعناية، ولون أحمر شفاهها يماثل لون الزهور الموضوعة بجانب طبقها.
قالت بنبرة تهكمية: «ارفعي الزي جيداً يا عزيزتي، الحضور لا يرون تفاصيله!».
نظرت «أمل» إلى زوجها.
كان «خالد» يتكئ إلى الخلف في كرسيه، ضامّاً ذراعه على ظهر المقعد. وقد أرجع ربطة عنقه للوراء قليلاً رغم أن العشاء لم يُقدّم بعد.
ابتسم بسخرية وقال:
«هذا بالضبط ما ستحتاجه في المنزل!».
انطلقت ضحكات أصدقائه بصوت أشد صخباً.
ربتت والدته أسفل عينها بمنديلها كأن المشهد قد حرّك مشاعرها عميقاً!
تغيرت ملامح «أمل».
لم تبكِ فوراً.
لو أنها بكت لكان المشهد أهون على النفس.
بدلاً من ذلك، ارتجف ذقنها، وانطبقت شفتاها بقوة، ثم اغرورقت عينان بالدموع وهي تنظر إلى «خالد» بنفس تلك النظرة التي ينظر بها المرء إلى شخص مألوف يتوقع منه أن يخرج من خلف قناع غريب.
رفع «خالد» كأسه وقال:
«في نخب تعلم الأعمال المنزلية مبكراً!».
ورفع الرجال بجانبه كؤوسهم مشاركين.
حينها شعرتُ بشيء بارد ومظلم يستقر في صدري.
على مدى ثمانية وعشرين عاماً، ربّيتُ «أمل» على أن تظل دائماً صاحبة خُلُق وأدب رفيع.
علّمتها أن تشكر الناس على الهدايا حتى وإن لم تعجبها، وأن تتحدث بهدوء عندما يرفع أحدهم صوته، وأن تنسحب بكرامة من أي مكان يتحول فيه الخبث إلى وسيلة للترفيه.
ولكن ربما… ربما أتقنتُ تعليمها تلك الدروس أكثر من اللازم.
فالأدب الشديد قد يحمي الكرامة نعم، لكنه قد يعلّم الأشخاص الطيّبين أيضاً أن يظلوا صامتين بينما يختبر الآخرون مدى الاستخفاف الذي يمكنهم تحمّله.
عندها… وقفتُ من مقعدي.
كان مقعدي يتحرك بهدوء على السجادة.
الطاولات الأقرب إلينا كانت أول من التفت بنظراته.
لاحظتني «سعاد» فاتسعت ابتسامتها أكثر وقالت: «أوه يا “ليلى”… أرجوكِ لا داعي لأن تصبحي عاطفية، إنها مجرد مزحة عائلية!».
نظرتُ إلى زيِّ الخادمة.
«لا.»
ازداد القاعة صمتاً.
«المزحة الحقيقية هي التي تترك الجميع مرتاحين بدرجة تكفي للضحك.»
بدأت ابتسامة «خالد» تتلاشى.
أما والده، «عبد العزيز العمري»، فقد وضع كأسه جانباً.
أمالت «سعاد» رأسها وقالت: «نحن دائماً ما رحبنا بـ “أمل” بكل دفء.»
أخفضت ابنتي الزي الرمادي.
فتابعت «سعاد»: «هي تعرف طبيعة مرحنا، ولا ينبغي لكِ أن تحولي تقليداً بسيطاً إلى أمر مزعج.»
سألتُها: «أي تقليد؟».
أجابت «ميساء»، شقيقة «خالد»، من طاولتها:
«النساء اللاتي ينضممن إلى عائلتنا يتلقين شيئاً عملياً.»
«وهل تلقيتِ أنتِ زي خادمة في عقد قرانكِ؟»
اختفت ابتسامة «ميساء» فوراً.
«أنا لم أنضم إلى العائلة كزوجة، أنا منها.»




