قصص و روايات

العشاء فين

“العشا فين؟!”… بصيتله وقلت: “دور عليه في الزبالة!”… ساعتها مكنش يعرف إن جوازنا كله خلاص وصل للنهاية!

“العشا فين؟!” دي كانت أول جملة قالها أحمد أول ما دخل الشقة بعد يوم شغل طويل. كان باين عليه التعب والجوع، ورمى مفاتيحه على الترابيزة وهو بيبص ناحية المطبخ. لكن المطبخ… كان نضيف زيادة عن اللزوم. ريحة الكلور والمنظفات مالية المكان. البوتاجاز بيلمع. ومافيش حلة واحدة عليه.

نادى بصوت هادي: — يا ريم… هو العشا فين؟ كنت قاعدة في الصالة، اللاب توب على رجلي، وبخلص شغل متراكم من الشركة. مردتش. كرر السؤال، بس المرة دي بصوت أعلى شوية: — يا ريم… العشا فين؟ قفلت اللاب توب براحة. بصيتله من بعيد. وقلت بمنتهى البرود: — دور عليه في الزبالة.

هو افتكر إني بهزر. فضل واقف يبصلي كام ثانية. ولما لقاني ساكتة… دخل المطبخ. ورفع غطا سلة الزبالة. واتجمد مكانه. جوه… كانت حلة اللحمة بالخضار كاملة. زي ما هي. ولا حتى حد لمسها. فضل واقف يبصلها، وبعدين بصلي. وشه كله صدمة. وقال: — مين اللي عمل كده؟ أنا مردتش. ولا اتحركت. ولا حتى بصيت ناحيته. كان في صمت تقيل مالي الشقة. تقيل لدرجة إن صوت تكة الساعة كان مسموع. أحمد قفل غطا الزبالة وهو مش فاهم أي حاجة. لكن أنا… كنت عارفة إن اللي حصل النهارده هو آخر نقطة في بحر طويل من الاستفزاز.

لما اتجوزت أحمد… كنت فاكرة إن حياتي أخيرًا هتستقر. خصوصًا إنه قالي من أول يوم: — هنقعد كام شهر عند أمي لحد ما نجمع مقدم شقة، وبعدها يبقى عندنا بيتنا. وافقت. قولت كلها كام شهر ونستحمل. لكن الكام شهر… بقوا سنتين.

وأم أحمد… الحاجة سعاد… مكنتش ست وحشة بالمعنى المعروف، لكنها كانت من النوع اللي بيتدخل في كل نفس. لو طبخت ملوخية… تقول: — إيه يا بنتي الملوخية دي؟ دي تقيلة أوي. ولو عملت محشي… تقول: — أمي كانت بتعمله أحسن. ولو كنست البيت… تقول: — سيبي المكنسة وأنا أوريكي الشغل الصح. كل نص ساعة تخبط على باب أوضتنا. وكل يوم لازم تراجع معايا أنا عملت إيه ومعملتش إيه. ولو اتضايقت… تقول بابتسامتها المستفزة: — يا بنتي أنا زي أمك… بخاف عليكي.

أما أحمد… فكان دايمًا يرد بنفس الجملة: — استحملي يا ريم… دي أمي. — أصل قلبها أبيض. — بكرة ننقل شقتنا ونرتاح. وأنا كنت بصدق، وأستحمل، وأشتغل ساعات إضافية، واخد شغل من البيت، وأوفر في كل جنيه، علشان حلم واحد بس… يبقى عندي بيت. باب أقفله بالمفتاح… وأرتاح.

وبعد تعب سنتين… الحلم اتحقق. خدنا موافقة البنك، واشترينا شقة صغيرة في مدينة جديدة. وأول يوم دخلناها… عيطت من الفرحة. فضلت ألف في الأوض وأنا بضحك. وقولت لأحمد: — أخيرًا… محدش هيتدخل في حياتنا. ضحك وحضني وقال: — خلاص… دي مملكتنا. افتكرت إن المعاناة انتهت. لكن الحقيقة… كانت لسه بتبدأ.

بعد أسبوعين من النقل… كنا بنتعشى. وفجأة أحمد قال وهو بياكل بمنتهى العادية: — آه صحيح… نسيت أقولك. قلت: — خير؟ قال: — أديت أمي نسخة من مفتاح الشقة. الشوكة وقعت من إيدي. وقلت بعدم تصديق: — عملت إيه؟! رد بمنتهى البساطة: — مفتاح احتياطي يعني… لأي ظرف. قلت وأنا مخنوقة: — وإزاي تعمل حاجة زي دي من غير حتى ما تسألني؟ ابتسم وقال: — يا ريم… دي أمي. الكلمة دي… كانت كفيلة تقفل أي نقاش. فسكت، قولت يمكن فعلًا للطوارئ.

لكن بعدها بكام يوم… بدأت ألاحظ حاجات غريبة. المخدات مكانها اتغير. البهارات مترتبة بطريقة مختلفة. أدوات التجميل بتاعتي متحركة. حتى الفوط اللي في الحمام كانت متبدلة. في الأول افتكرت إني بنسى. لكن كل يوم… كان في حاجة مختلفة. لحد ما في يوم قلت لأحمد: — أنا حاسة إن حد بيدخل الشقة وإحنا بره. ضحك وقال وهو ماسك الموبايل: — إنتي مكبرة الموضوع. وبعدين قال جملة ضايقتني جدًا: — شكلك بقى عندك وسواس.

الكلمة دي فضلت ترن في ودني: “وسواس”. ومن يومها… كل ما أرجع من الشغل… أول حاجة أعملها… تلف على الشقة كلها. يمكن ألاقي دليل، يمكن أثبت لنفسي إني مش بتخيل. لكن الدليل… جه لوحده.

وفي يوم… نسيت ملف مهم في البيت، ورجعت بعد أقل من ساعة. وأول ما حطيت المفتاح في الباب… سمعت صوت حركة جوه الشقة، وقلبي وقع. فتحت الباب بسرعة… واتصدمت من اللي شوفته! لقيت الحاجة سعاد واقفة في مطبخي… وبتقلب في حلة الأكل، وكأن الشقة شقتها هي!

الجزء الثاني والأخير

فتحت الباب بسرعة… واتصدمت. لقيت الحاجة سعاد، حماتي، واقفة في نص المطبخ بكل هدوء، ولابسة المريلة بتاعتي، وبتقلب في حلة اللحمة بالخضار وكأنها صاحبة البيت. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت بمنتهى العادية: — ياااه… رجعتي بدري؟

بصيتلها وأنا مش مستوعبة، وقلت: — حضرتك بتعملي إيه هنا؟ قالت وهي بتقفل الحلة: — قولت أعدي أطمن عليكم… ولقيت المطبخ مكركب شوية، فرتبته، وبعدين دوقت الأكل. قربت من البوتاجاز، الحلة كانت لسه مكانها، فسألتها: — دوقتيه؟ قالت وهي مكشرة: — أيوه… مليان بهارات وفلفل، هيعب طبيعة ابني. قولت أرميه وأعمله حاجة نضيفة لما يرجع.

اتجمدت مكاني. يعني… هي بكل بساطة قررت ترمي أكلي! من غير حتى ما تستأذن! قولتلها وأنا بحاول أمسك أعصابي: — دي شقتي يا طنط… ومحدش يدخلها من غير إذني. بصتلي باستنكار وقالت: — شقتك إيه يا بنتي؟ ده بيت ابني قبل ما يكون بيتك… وأنا داخلة بمفتاح معايا. وقتها عرفت إن الكلام معاها ملوش أي فايدة. خرجت وهي بتتمتم:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى