
بنتي كانت كل يوم العصر تاخد كيس أسود وتطلع على السطوح بحجة إنها بتأكل قطط الشارع… كنت فاكرة إن قلبها حنين وبتحب الحيوانات، لحد ما لاحظت إنها بتنزل وشها ، .. ولما قررت أطلع وراها وأفتح المقفولة اللي بتدخلها، اللي شوفته خلاني أفقد النطق وأكلم جوزي “جلال” اللي سايب البيت ومقاطعنا من شهور عشان !!!!
من يوم ما المشاكل زادت بيني وبين “جلال” جوزي، وقرر يسيب البيت ونعيش شبه منفصلين، وأنا قافلة على نفسي وكل دنيتي بقت بنتي “حبيبة”. حبيبة دلوقتي في تالتة ثانوي، ضغط ومذاكرة وتوتر، وعلشان كده كنت بحاول أوفر لها جو ممكن. طول عمرنا أصحاب وبنحكي لبعض كل حاجة، بس في الشهر الأخير، حبيبة اتغيرت 180 درجة، وحسيت إن في سر أسود مخبياه عني.
الحكاية بدأت لما لاحظت إنها كل يوم الساعة 4 العصر بالدقيقة، المذاكرة، تلم بواقي أكل في كيس أسود بلاستيك، وتقولي: “أنا طالعة أأكل القطط اللي على السطوح يا ماما وأشم هوا عشر دقايق”. في الأول قولت عادي، بتفصل من المذاكرة وبتعمل خير. بس الموضوع كبر.. العشر دقايق بقوا ساعة وساعتين!
ولما تنزل، ألاقيها واحدة تانية! وشها شاحب زي الميتين، عينيها مبرقة، وهدومها فيها بقع تراب أحمر غريب أول مرة أشوفه، وريحتها… ريحتها كانت القلب! ريحة بخور قديم على حاجة عطنة ومكمكمة.
لما سألتها: “يا حبيبة، إيه الريحة دي والتراب ده؟ إنتي بتعملي إيه فوق كل ده؟”
يا ماما، السطوح بس مترب بتلعب حواليا.. وبعدين أنا بفك عن نفسي شوية، إنتي عارفة ضغط ثانوية عامة.”
كلامها ما دخلش دماغي أبداً. مبتاكلش كل يوم ساعتين، والسطوح بتاعنا مفيش فيه تراب أحمر! الشك بدأ في عقلي، أفكار سيطرت عليا.. هل بتكلم حد فوق؟ هل حد ؟ كان لازم باليقين.
امبارح العصر، عملت نفسي نايمة وتعبانة جداً. أول ما سمعت باب بيتفتح بالراحة، قمت جري على طراطيف صوابعي وطلعت وراها. لقيتها رايحة ناحية “” القديمة اللي على السطوح… دي مقفولة بقفل مصدي من سنين! لقيتها بتطلع مفتاح من جيبها، فتحت وقفلت وراها من جوه. استنيت خمس دقايق، وبعدين قربت من الباب وبصيت من شق صغير في الخشب… واللي شوفته جوه خلاني بإيدي بالعافية!!
من الرعب رجليا شالتني بالعافية ونزلت على راسي. . من غير ما أفكر مسكت تليفوني ورنيت على “جلال”… الرقم اللي مكنتش ناوية أطلبه تاني أبداً. رد عليا ببرود: “أيوة… خير في إيه؟” فيه بصوت : “إلحقني يا جلال… بنتك حبيبة #الكاتبه_نور_محمد
سكت جلال لثواني على الناحية التانية من الخط… السكوت اللي عملت إيه وفوق سطوح إيه؟ انطقي!”
”مش هينفع في التليفون يا جلال! تعالى فوراً… البنت بتعمل حاجات مرعبة فوق، أنا شوفت المنظر وركبي مش شيلاني… إلحق بنتك قبل ما تروح مننا!” المنظر كان أبشع من أي ممكن على بال أم!
كانت معتمة ومفيش فيها غير ضوء شمعتين منورين في الأرض… ، بنتي الهادية الرقيقة اللي من خيالها، كانت قاعدة على ركبتها في نص ، وحواليها دايرة كبيرة بتراب أحمر غريب ، وفي النص طالع منها دخان ريحته زي المعفن. من ده كله، إنها كانت ماسكة صور ليا ولأبوها… صور من ومن أيام ما كنا عيلة ، ومغرّقة الصور بحبر أحمر سميك، وبتغرز فيها وهي بتعيط بهستيريا وتتمتم بكلام مش مفهوم وبصوت واطي ، وجنبها كيس الأكل الأسود مفتوح، بترمي جواه حاجات وتكب فوقه سائل أسود!
عشر دقايق بالظبط… ولقيت الباب بيخبط خبط . . أول ما شافني من كتافي: ”في إيه يا سهام؟! حبيبة فين؟ جرالها إيه؟” مسكت إيده وأنا وشاورت على السلم: ”اطلع معايا براحة من غير صوت… البنت في الكراكيب فوق، ومش طبيعية خالص يا جلال!” طلعنا على طراطيف صوابعنا على السلم، وكل خطوة كانت كأنها بتدب على قلبي. كان هادي والدنيا بدأت تليل، وريحة البخور والدخان كانت في الهوا ومغطية على المكان كله. جلال وبصلي
زادوا في عينيه.
قربنا من باب المقفول… الصوت من جوة كان : ، وصوت :
”يا رب يرجعوا… يا رب بابا يسامح ماما وميطلقهاش… يا رب أنجح وميتفرقوش… إيدك يا شيخ قولي أعمل إيه تاني؟ أنا عملت الدايرة وولعت البخور الأحمر وحطيت الأثر والدم زي ما قولتلي… هيرجعوا صح؟ مش هتخليهم ؟”
جلال ، بقى شاحب زي الكفن، وبصلي حبيبة صرخت صرخة رعب شقت سكون الليل، واترمت على ضهرها وهي وشها بإيديها اللي كانت كلها باللون الأحمر والأهباب:حبيبة… أنا هنا يا بنتي… أنا أبوكي يا حبيبتي، مفيش حد ومحدش هيأذيكي!”
أول ما حست بإيد أبوها وبصوته، كله اتخشب، وبصت له بعيون كلها ، وفجأة… راحت في وإيديها سابت ووقعت بين إيدينا تماماً!
شالها جلال زي الريشة ونزلنا بيها على ، حطيناها على وأنا من العياط. جلال كان بيجري يجيب مية وبصل عشان يفوقها، وأنا بمسح التراب الأحمر من على وشها وإيديها ملامحها . البنت كانت خاسة النص، وشها مجهد وهالات سودا تحت عينيها… إزاي الغفلة مش شايفة بنتي بالشكل ده؟!
بعد ربع ساعة من الرعب، فتحت حبيبة عينيها ببطء، وبدأت تتلفت حواليها ، ولما شافتني أنا وجلال إيديها وقاعدين جنبها بنعيط، في نوبة بكاء مريرة في إحنا الاتنين: ”أنا آسفة يا ماما… أنا آسفة يا بابا… أنا مكنتش عايزة أعمل حاجة وحشة، أنا كنت عايزانا نرجع زي زمان!” قعدنا نطبطب عليها لحد ما شربت شوية مية دافية وبدأت تتكلم… والحكاية اللي حكتها كانت أكبر درس وعلقة في حياتنا كلنا.
قالت حبيبة وصوتها :
”من يوم ما بابا ساب البيت ومشيت، وأنا حاسة إن حياتي ادمرت… كل يوم وماما بتعيط طول الليل، وبابا مش بيسأل ولا بيرد عليا… وفي نفس الوقت امتحانات الثانوية العامة قربت، والدروس والضغط، ومبقتش عارفة أركز في كلمة واحدة… حسيت إني لوحدي والدنيا كلها اتقفلت في وشي. وفي يوم وأنا بقلب على النت عيني، لقيت اسمها ‘فك ولم الشمل’… دخلت كلمت الأدمن وقولتله أنا عايزة بابا يرجع وماما تبطل عياط، والبيت يرجع زي الأول عشان أقدر أعيش وأذاكر.
الراجل ده استغل خوفي وسني الصغير… قالي إن معمولنا ‘عمل سفلي’ للتفرقة، وإن بابا لو مرجعش خلال شهر هيجراله وماما هتتشل!
قالي لازم أعمل طقوس فوق السطوح بعيد عن العيون، وبعتلي تراب أحمر قالي إنه تراب من مكان مبروك ومخلوط بمسك أحمر وبخور مخصوص، وكان بيخليني آخد مصروفي وفلوس الدروس اللي بتدوهالي أبعتهاله على محافظ إلكترونية بحجة إنه بيشتري طلبات لفك السحر!
ولما الفلوس خلصت مني، قالي خدي بقايا أكل من البيت عشان يقدمها قربان، وكان مهددني إني لو اتكلمت أو حكيت لماما، وبابا في نفس الليلة!”
كل كلمة كانت بتنزل زي الخنجر في قلبي وفي قلب جلال. بصينا لبعض وإحنا حاسين بالخزي والندم… التافهة والكرامة والعناد بيني وبينه، عمتنا عن بنتنا الوحيدة، ورميناها فريسة في إيد دجال ومبتز نصاب يلعب بعقلها نفسيتها وهي في أخطر مرحلة في حياتها!
جلال مسك راسها وباسها ميت مرة وهو بيبكي :
”حقك عليا يا بنتي… أنا السبب، أنا اللي كنت أناني وسبتكم ومفكرتش في وجعك… أنا آسف يا حبيبة قلبي، مش هسيبك تاني أبداً، ومش هسمح لأي حاجة تفرقنا تاني.”
وأنا بكل ما فيا:
”سامحينا يا حبيبتي… العيب مش فيكي، العيب فينا إحنا اللي قفلنا ودانا عن .”
رجال الشرطة اتعاملوا مع الموضوع بمنتهى السرعة والاحترافية… ونصبوا فخ للمبتز بالاتفاق مع جلال، وفي خلال 48 ساعة بس، كانت المباحث وكر الدجال النصاب في إحدى القرى ، وطلع شاب مسجل خطر بيستغل صفحات السوشيال ميديا عشان ينصب على البنات ويبتزهم مادياً! واتقبض عليه واتصادرت كل أجهزته واتحول للنيابة العامة ليأخذ جزاءه العادل.
ومن اليوم ده… حياتنا اتغيرت تماماً وانقلبت 180 درجة، بس المرة دي للأحسن وبشكل مكنتش أحلم بيه!
جلال رجع البيت ونقل كل حاجته، وقعدنا مع بعض وحطينا نقط على كل الحروف القديمة، وقررنا إن مشاكلنا كزوجين تنتهي عند باب أوضتنا، وعمر ما بنتنا تسمع صوت عالي تاني. نظفنا السطوح سوا، ورمينا كل الكراكيب والذكريات الوحشة، وحولنا الأوضة القديمة لمرسم صغير ومكان جميل للزرع والورد.
أما حبيبة… أخدناها عند دكتورة نفسية شاطرة ساعدتها تتخلص من الصدمة والرعب اللي عاشته، ورجعنالها ثقتها بنفسها وبالله، وعرفناها إن الغيب والقدر بإيد ربنا وحده، ومفيش دجال ولا سحر يقدر يغير مشيئة ربنا.
حبيبة رجعت لمذاكرتها بحماس غير عادي، والأجواء في البيت كانت كلها حب ودعم وتشجيع، باباها بقى هو اللي بيوصلها الدروس ويستناها، وأنا اللي بقعد جنبها أسهر معاها بالليل وأعملها العصاير وأشجعها.
ومرت شهور الامتحانات بسلام… لحد ما جه اليوم المنتظر، يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.
كنا قاعدين التلاتة في الصالة ماسكين إيدين بعض وأنفاسنا قدام شاشة الكمبيوتر، جلال بيضغط على زرار النتيجة وإيده بتترعش… وفجأة… ظهرت الشاشة!
حبيبة جلال… المجموع: 96.5% – علمي علوم!
الصالة اتهزت بالزغاريد وصرخات الفرحة! جلال شال حبيبة وهو بيلف بيها في الصالة الفرحة بتنزل من عينيه، وأنا سجدت على الأرض سجدة شكر لربنا كل شهور الحزن اللي . الجيران دخلوا يباركوا، والبيت اللي كان على ، اتملى نور وفرحة وضحك.
دخلت حبيبة كلية الصيدلة اللي كانت بتحلم بيها، وبقت قصتها درس لكل أب وأم إن أولادهم هما الأمانة الحقيقية، وإن جدار الأسرة لو بسبب عند الأهل، الأطفال هما اللي بيدفعوا التمن من أرواحهم ونفوسهم.
وعرفت ساعتها… إن أعظم سحر في الدنيا هو “الحب، والأمان، ولمة العيلة الصادقة”، وإن ربنا بيعوض بعد الصبر




