
نقرت سارة بأصابعها على الطاولة بغضب: “بينما تتناقشون حول الجدران، هناك طفلة تحتاج إلى علاج عاجل!”
رفعت الأخصائية النفسية رأسها وسألت: “من الذي شخّص حالة جنى؟”
ناولتها سارة ورقة تحمل شعار إحدى العيادات. قرأتها المرأة بتمهل ثم قالت: “هذا ليس تشخيصاً، هذه مجرد توصية أُعدت بناءً على مقاطع فيديو. لا يوجد تقرير عن مقابلة الطفلة أو فحوصات سريرية.”
– سيقيمون حالتها عند دخولها المصحة.
ردت ممثلة النيابة: “لا يمكن طلب حجز طفل بناءً على تسجيلات منزلية فقط. كما أن بيع عقار مملوك للقاصر يتطلب إذن المحكمة الحسبية وإثباتاً قاطعاً يخدم مصلحة الصغير فقط.”
أخرجت سارة هاتفها وقالت: “عندما ترون كيف تتصرف، ستفهمون.”
ظهرت جنى على الشاشة وهي تبكي وتتنفس بصعوبة وتبعد الهاتف. كانت المقاطع تبدأ دائماً بعد أن تصبح الطفلة في حالة انهيار بالفعل.
سألت الأخصائية: “لماذا لا يظهر أبداً ما يحدث قبل الأزمة؟”
– لأنني أبدأ التسجيل عندما ألاحظ بداية النوبة.
كان طارق يجلس بثبات في الطرف الآخر. قضى أياماً يتخيل هذه اللحظة، لكنه لم يشعر بأي تشفٍ. كانت كل كلمة تقولها سارة تذكره بأن طفلته عاشت مرعوبة تحت سقفه وهو غافل عنها.
قامت المحامية نهى بتوصيل جهاز حاسوب بالشاشة الكبيرة في المكتب وقالت: “نحن نعرف ما كان يحدث قبل ذلك.”
عرض الشريط الأول مطبخ الشقة؛ سارة تفتح الخزانة وتسكب قطرات في العصير.
تتراجع جنى وهي تبكي: “لا أريد شربه.. في المرة الماضية آلمني صدري.”
فتمسك سارة بصورة مريم: “إما أن تشربيه أو أرمي كل صور أمك في القمامة.”
تشرب جنى وهي تنتحب.
عمّ الصمت الغرفة.
همست سارة بارتباك: “هذا الفيديو مفبرك! طارق يكرهني دائماً لأنني لست مريم.”
شغّلت المحامية المقطع الثاني؛ جنى ترتجف بينما تلاحقها سارة بالهاتف: “انظري إلى حالتك.. عندما يرى والدك هذا، سيعلم أنك لا تصلحين للعيش في البيت.”
ترد جنى: “أنتِ وضعتِ لي شيئاً في العصير!”
فتجيبها سارة: “لن يصدقكِ أحد، أنتِ دائماً تقولين أشياء غريبة.”
ابتعد سامح عن سارة خطوات وقال بتردد: “لم أكن أعلم أنكِ تعاملين الطفلة هكذا!”
نظر إليه طارق دون أن يرمش.
كشف المقطع الثالث لحظة وصول سامح؛ القبلة، الأوراق، والزجاجة التي أخرجها من معطفه وهو يقول: “هذه أشد تأثيراً.. لا تكثري منها.”
وقف سامح مفزوعاً: “فيديو لا يثبت طبيعة المادة!”
وضع طارق تقريراً رسمياً على الطاولة: “معمل السموم الجنائية حدد المادة بالفعل، وهي تطابق ما وُجد في تحليل جنى، وبصماتكما كليكما موجودة على الزجاجة.”
التفتت سارة إلى سامح بانهيار: “ألم تؤكد لي أنها تختفي من الجسد بسرعة؟!”
رد سامح بغضب: “قلت لكِ بضع قطرات! ولم أصل لدرجة أن تسكبي نصف الزجاجة!”
صارخت سارة: “لأننا كنا بحاجة إلى أن تبدو النوبة حقيقية أمام الجميع!”
أدرك سامح متأخراً الحفرة التي أوقعتهما فيها اعترافاتها.
قدمت المحامية بعد ذلك الرسائل المسترجعة من جهاز لوحي (تابلت) كانت سارة قد تركته متصلاً بالشبكة المنزلية. كان الاثنان يتحدثان عن سعرين للبيت؛ سعر صوري في العقد وسعر آخر يتم تسليمه خفية. بل إن المشتري كان قد دفع بالفعل عربوناً قدره 35 ألف جنيه لسامح، وحوّل 8 آلاف جنيه لشركة تديرها سارة.
سأل طارق بأسى: “هل كان كل هذا من أجل المال؟”
ردت سارة بصوت مكسور: “أنت لا تعرف كم كان صعباً العيش مع جنى! كانت تقارن كل شيء بأمها، كانت مريم حاضرة في كل زاوية.”
– مريم توفيت وهي في الثالثة من عمرها! الصور كانت كل ما تبقى لها منها.
– حاولت أن أكون أمها لكنها لم تقبلني!
– لم ترغبي يوماً في أن تكوني أمها.. أردتِ فقط أن تثق بكِ لتقتربي من أملاكها.
بدأت سارة بالبكاء: “سامح هو من خدعني وغرر بي!”
– في الرسائل، أنتِ من اقترحتِ تصويرها، وأنتِ من سألتِ إن كانت الجرعة الزائدة ستضمن حجزها شهوراً طويلة.
تدخلت الأخصائية بنبرة حازمة: “إعطاء مادة كيميائية لطفلة دون وصفة، وإخفاؤها، واستغلال ردود أفعالها لتشويه عقلها لا يمكن تصنيفه إلا كجري\مة مكتملة الأركان.”
جمع سامح أوراقه وهمّ بالفرار: “لن أبقى هنا.”
لكنه بمجرد فتح الباب، وجد اثنين من ضباط الشرطة في انتظاره. كانت المحامية قد قدمت الأدلة للنيابة العامة مقدماً.
نظرت سارة إلى طارق بلمحة رجاء أخيرة: “قل لهم إنني اعتنيت بها لعام كامل!”
رد طارق: “لم تعتني بها.. بل درستِ ما يخيفها واستخدمتِه كس\لاح يق\تلها.”
اقتاد الضباط الاثنين للتحقيق. خرج طارق من المكتب دون أن يشعر بجمال النصر، بل بحزن ثقيل وهو يتذكر يوم زفافه عندما حملت جنى الخواتم وسألته ببراءة إن كانوا سيصبحون عائلة حقيقية.
قاد طارق سيارته إلى منزل الجدة فاطمة. كانت جنى تجلس على الأرض ترسم بالألوان. وعندما رأته، ركضت نحوه:
– هل انتهى كل شيء؟
جثا طارق وأمسكها: “نعم يا حبيبتي.”
– هل ستعود سارة؟
– لن تعود للعيش معكِ أبدًا.
أسندت جنى رأسها على كتفه، وبعد لحظات سألت السؤال الذي كان يخشاه:
– لماذا أغلقت الباب ورحلت بعد أن أخبرتك عن القطرات؟
كان بإمكانه التحدث عن الخطة، والكاميرات، وضرورة جمع الأدلة، لكن بالنسبة لطفلة في السادسة، لا شيء يغير الحقيقة المرة: لقد طلبت المساعدة، ووالدها خرج بحقيبة سفره.
اعترف طارق وعيناه تغرورقان بالدموع: “أخطأت يا جنى.. كان عليّ أن أخرجكِ من هناك فوراً قبل أن أبحث عن أي دليل.”
– حتى لو أنكرت سارة كل شيء؟
– حتى لو أنكرت.
– حتى لو خبأت الزجاجات؟
– حتى لو خبأتها.
نظرت إليه جنى بجدية أكبر من سنها: “في المرة القادمة، تساعدني أنا أولاً.”
تجمعت الدموع في عيني طارق وقال: “في المرة القادمة، سأساعدكِ أنتِ أولاً.”




