
– بابا، إذا سافرت، ستعود «سارة» لتقطير تلك القطرات في فمي.. القطرات التي تجعل قلبي يخفق بشدة وكأنه سيفجر صدري. أسقط «طارق» حقيبة سفره في مدخل شقته بوسط القاهرة. كان من المفترض أن يستقل القطار المتجه إلى الإسكندرية بعد ساعتين لإبرام أهم صفقة في تاريخ شركته، لكن كلمات ابنته ذات الست سنوات محت أي اهتمام آخر من عقله.
كانت «جنى» تعانق خصره، حافية القدمين وترتجف من الخوف.
– أي قطرات يا حبيبتي؟
– تقول إنها فيتامينات، لكن بعد أن آخذها تبدأ يداي بالارتجاف، ولا أستطيع النوم، وأشعر بغضب شديد. حينها تقوم بتصويري بمقاطع فيديو لترسلك إياها وتخبرك أنني مريضة نفسياً.
كانت «سارة» زوجة طارق منذ أحد عشر شهراً فقط. ظهرت في حياتهما بعد عامين من وفاة «مريم»، والدة جنى، بعد صراع طويل مع المرض. أظهرت سارة في البداية حناناً وصبراً وتفهماً كبيراً لحزنهما، فظن طارق أن الأمل قد عاد لجمع شتات أسرته من جديد.
– لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟
نظرت جنى برعب نحو المطبخ وقالت بصوت خافت:
– لأنها قالت إنك إذا تشاجرت معها بسببي، فسترسلني إلى دار أيتام مع غرباء، كما تهددني دائماً برمي صور أمي في القمامة.
وقبل أن يتمكن طارق من الرد، أردفت الصغيرة:
– في بعض الأحيان يأتي رجل يدعى «سامح»، والأمس سمعتهما يقولان إنهما بحاجة إلى نوبتين أخريين حتى يبيعا بيت «الفيوم».
كان ذلك البيت المزرعي ملكاً لجدَي جنى من طرف أمها، وقد أورثته مريم لابنتها، بينما يتولى طارق إدارته وصيانته حتى تبلغ الصغرى سن الرشد.
في تلك اللحظة خرجت سارة من المطبخ وهي تحمل كوباً من القهوة، وعرضت ابتسامة ساحرة لا تشوبها شائبة:
– غيداء الصغيرة الغيورة لا تريد لأبيها أن يسافر ويتركها.
اختبأت جنى خلف والدها، في حين أدرك طارق أن مواجهة سارة في تلك اللحظة قد تحرمه من الحصول على أي أدلة ضدها. طبع قبله على رأس ابنته، وأمسك بحقيبته، ونزل إلى الممر كأن شيئاً لم يكن.
لكنه لم يتجه إلى محطة القطار.
استعان طارق بـ «محمود»، مسؤول الأمن في شركته. وبينما أخذت سارة الصغيرة جنى إلى إحدى الحدائق العامة، استغلا الفرصة وثبتا كاميرات مراقبة خفية في زوايا المنزل. بعد ذلك، حجز طارق غرفة في فندق قريب ليتابع كل ما يجري عبر هاتفه.
في الساعة 1:18 ظهراً، عادت سارة إلى الشقة.
– ماذا قلتِ لأبيكِ قبل خروجه؟
– لا شيء.
– هذا أفضل لكِ.. إن تسببتِ في تدمير زواجي، فسأرسلكِ إلى مكان بعيد لن تري فيه أحداً.
فتحت سارة خزنة علوية، وأخرجت زجاجة صغيرة دائرية بلا ملصق، وقطرت منها عدة قطرات في كوب العصير الخاص بجنى. وعندما رفضت الطفلة الشرب، رفعت سارة صورة «مريم» فوق سلة المهملات بتهديد.
شربت جنى العصير وهي تنتحب.
بعد وقت قصير، بدأ تنفس الطفلة يتسارع وأخذت تصرخ وترتجف. أخرجت سارة هاتفها وبدأت تسجل حالة الرعب والتشنج التي تمر بها الصغرى بملامح يكسوها تشفٍ مرعب.
وفي المساء، وصل «سامح». رحبت به سارة بحرارة، وبسطا بعض وثائق إعادة الملكية على الطاولة.
وقال سامح بنبرة جشعة: “نوبة واحدة أخرى، وسيوافق طارق على بيع بيت الفيوم للتفرغ لعلاجها.”
ثم أخرج من معطفه زجاجة أخرى وقال: “هذه المادة أشد تأثيراً وقوة.”
وضعتها سارة في حقيبة جنى المدرسية وهي تبتسم: “عندما يعود زوجي، لن تبدو ابنته مؤهلة للعيش في منزل طبيعي بعد الآن.”
شعر طارق بشلل تام وضيق في التنفس وهو يراقب الشاشة.
لكن الصدمة الأكبر كانت عندما كشف سامح عن مخطط أعمق.. وأن البيت لم يكن الشيء الوحيد الذي ينويان سلبه من الطفلة الصغيرة.
عاد طارق في الساعة السابعة صباحاً متظاهراً بأن عطلاً في القطار تسبب في إلغاء رحلته. اصفرّ وجه سارة، لكنها سرعان ما استعادت ابتسامتها المصنوعة.
دخل طارق غرفة جنى ووجدها تحتضن صورة أمها «مريم».
– سنذهب للبقاء عند الجدة «فاطمة».
وداخل السيارة، اعترف لها بأنه شاهد تسجيلات الكاميرات بنفسه.
همست جنى: “يعني أنك صدقتني؟.. لكنك ذهبت وتركتني أولاً.”
لم يجد طارق أي كلمات يمكنها أن تداوي ذلك الجرح في قلب طفلته.
وفي إحدى العيادات الخاصة، كشفت طبيبة الأطفال عن وجود تسارع في ضربات القلب، وإرهاق شديد، وآثار مادة منشطة لم تُوصف لها طبياً قط. لم تكن جنى تعاني من أي اضطراب نفسي، بل كان هناك من يتعمد إظهار هذه الأعراض عليها.
تظاهر طارق بالجهل وعاد إلى سارة. أرتْه الأخيرة مقاطع فيديو مجتزأة ومعدلة، واقترحت إيداع الصغيرة في مصحة نفسية باهظة الثمن. ولتغطية التكاليف، ادّعت أنه يجب عليهما الحصول على إذن قضائي وسرعة بيع بيت «الفيوم». بل وكان سامح قد جهّز المشتري والتقييم والمحامي بالفعل.
رد طارق بتماسك: “أحضري لي كل الوثائق لنوثقها.”
وفي تلك الليلة، وثقت الكاميرات حديثهما وهما يخططان لتسجيل سعر للبيت أقل من قيمته الحقيقية والاستيلاء على الفارق بين السعرين.
في اليوم التالي، ظهرت سارة في منزل الجدة فاطمة برفقته أحد المسعفين المزيفين وبحوزته تفويض ادّعت أنه موقّع من طارق. رفضت الجدة فتح الباب واتصلت فوراً بالشرطة.
وصل طارق إلى المكان أمام رجال الشرطة وقرر مواجهتهم:
– هذا التوقيع مزور وليس توقيعي.
اعترف الرجل المزيف بأن سامح دفع له مالاً لتمثيل عملية نقل عاجلة للطفلة.
بعد ساعات، أشارت جنى إلى حقيبتها المدرسية. وفي جيب خفي، ظهرت الزجاجة الثانية. وأكد المختبر أنها تحتوي على نفس المادة المنشطة، ولكن بتركيز أعلى وأخطر بكثير.
لم يكن الهدف مجرد التسبب في نوبة غضب أخرى… بل إحداث أزمة صحية حادة وجسيمة تجعل الجميع يسلّمون بضرورة إيداعها المصحة دون أي اعتراض.
دعا طارق كلاً من سارة وسامح للاجتماع في اليوم التالي لتوقيع أوراق البيع، فحضرا وهما يعتقدان أنهما حسما المعركة لصالحهما.
عُقد الاجتماع في مكتب الأستاذة «نهى»، محامية قضايا الأسرة الموكلة عن طارق. وكان حاضراً أيضاً موثق عقود، وأخصائية نفسية مكلفة بحماية مصالح جنى، ولمياء ممثلة عن نيابة الأسرة والملاحظة.
دخلت سارة وهي تستند إلى ذراع سامح، الذي كان يرتدي بذلة أنيقة ويحمل حقيبة جلدية. كانا يبدوان كزوجين يستعدان لإتمام صفقة عقارية العادية، لا مجرمين يخططان لسلب حقوق طفلة سُلب منها الدفء.
قالت سارة بتفاجؤ عندما رأت الجمع: “ظننت أن الاجتماع سيكون خاصاً بيننا.”
رد طارق: “جنى عمرها 6 سنوات، وإذا كنا سنقرر بشأن صحتها ومستقبلها، فأريد أن يتم كل شيء بشكل رسمي وموثق.”
جلس سامح وفتح حقيبته، وقدم تقييم بيت الفيوم، وعقداً أوليّاً للبيع، وميزانية مصحة علاجية مفترضة في أطراف المدينة، وتفويضاً لتتمكن سارة من متابعة الإجراءات.
قامت الموثقة بدراسة الأوراق وقالت: “البيت معروض بسعر يقل بنسبة 40% عن العقارات المماثلة في المنطقة.. ما السبب؟”
فسر سامح: “نحن بحاجة ماسة للمال لعلاج الطفلة، كما أن البيت يحتاج لترميمات شاملة.”
– لا أرى أي تقرير فني يثبت ذلك.
ارتبك سامح وقال: “سيرسلونه لنا هذا الأسبوع.”
– إذن، الترميمات المزعومة غير مثبتة.




