روايات وققص

بابا إذا سافرت ستعود سارة

رفعت الخنصر: “وعد؟”

شبك خنصره بخنصرها: “وعد.”

خلال الأسابيع التالية، عاشت جنى مع جدتها. تحسنت الفحوصات الطبية سريعاً، لكن الخوف لم يختفِ بنفس السرعة. كان كوب العصير كفيلاً بإبكائها، وإذا وجدت باباً مغلقاً تسأل عن المفتاح، وإذا عدّلت الجدة مشروباً بعيداً عن أسرها، رفضت تذوقه.

في إحدى الأمسيات، أعدت الجدة كوباً من الشوكولاتة الساخنة. نظرت جنى إليها وسألت: “هل وضعتِ فيه شيئاً؟”

كادت الجدة تقول “لا تفكري في هذه الترهات”، لكنها تذكرت تعليمات الطبيبة النفسية، فقالت بحنان: “فقط حليب وشوكولاتة، وإن أردتِ، يمكننا إعداد كوب آخر معاً.”

اختارت جنى كوباً جديداً، وفتحت الجدة علبة الحليب أمام عينيها وتركتها تخلطه بنفسها.

تعلم طارق الدرس ذاته؛ ألا يجبرها على الثقة فوراً، وألا يحول كل خوف إلى استجواب.

لم تؤذِ سارة جسد جنى فقط، بل علمتها أن مشاعرها الخاصة غير قابلة للتصديق. عندما كانت تقول إن قلبها ينبض بسرعة، كانوا يصفونها بالمبالغة، وعندما كانت تخاف من الشرب كانوا يهددونها، وعندما تفاعل جسمها مع المادة، كانوا يصورونها ليثبتوا أنها غير متزنة.

احتاج استعادة الثقة إلى وقت.

كشفت التحقيقات لاحقاً أن العلاقة بين سارة وسامح بدأت قبل الزواج بمدّة. كانت سارة تعمل إدارية في عيادة عندما التقت بطارق لأول مرة. كان قد أخذ جنى لمعالجتها من التهاب تنفسي، وعرفت سارة حينها أنه أرمل ويحمل إرثاً لابنته. وكانت قد كتبت لسامح في إحدى الرسائل القديمة: “إنه يشعر بالذنب لتركها بسبب العمل. إذا جعلته يثق بي كمربية، فسوف يوقع على أي شيء.”

وفي رسالة أخرى أكثر قسوة، سأل سامح عما سيحدث لو تحدثت جنى، فردت سارة: “طارق يعمل دائماً.. يمكن للطفلة أن تقول ما تشاء، فنادراً ما يوجد بالغ مستعد للاستماع لحديث الأطفال حتى النهاية.”

قرأ طارق تلك الجملة مرة واحدة، لكنها حُفرت في قلبه إلى الأبد. تذكر كل سفرية، وكل ليلة كانت تؤكد فيها سارة أن جنى تنام بسلام، وكل مرة قبل فيها إجابات سريعة لأنه كان متعباً.

بدأ يعتذر لطفلته باستمرار؛ عند الأفطار، وقبل النوم، وكلما ظهر عليها الخوف. إلى أن أوقفته الأخصائية النفسية قائلة: “عليك مواجهة تقصيرك، لكن لا تجعل جنى مسؤولة عن تخفيف شعورك بالذنب. إن قضيت سنوات تعتذر، فستشعر هي بأنها هي من يجب أن تواسيك.”

ومنذ ذلك الحين، توقف طارق عن تكرار “سامحيني”، وبدأ يترجمها إلى “أنا هنا معكِ”.

قلل ساعات سفره، وأعاد تنظيم جدول أعماله ليخصص كل ظهيرة لها. وعندما كان يضطر للخروج، يشرح لها إلى أين يذهب، ومع من سيكون، ومتى يعود. ولم يعد يغادر أبداً دون أن يودعها بهدوء.

كما أدى تفتيش ممتلكات سارة إلى كشف خيانة أخرى؛ فقد اختفت عدة مجوهرات خاصة بـ «مريم»: خاتم زفافها، ودبوس قديم، وسلسلة، وميدالية كان يفترض إهداؤها لجنى عند بلوغها الثامنة عشرة. بعض القطع تم رهنها، والبعض الآخر عرض إلكترونياً.

حاولت سارة مغادرة المدينة واللجوء لبيت إحدى قريباتها في الإسكندرية، ولكن تم العثور عليها بعد تسعة أيام، ووجدوا في حقيبتها إيصالات الرهن ونقوداً وخاتم مريم.

أما سامح، فرأى أن الأدلة تحاصره وقرر التعاون مع النيابة. سلّم الرسائل والعقود وبيانات المقيّم الذي خفّض قيمة بيت الفيوم زورا.

أُعيد بناء المخطط كاملاً: يتسببون في أعراض للطفلة أولاً، ثم يسجلون ردود أفعالها فقط، ثم يقنعون طارق بأنها تعاني اضطراباً خطيراً، ويطرحون إيداعها المصحة كحل أخير. وتبرر العجلة بيع البيت بسعر بخس مدون، بينما يتسلمون باقي المبلغ بشكل خفي. وكان المخطط ينتهي بهروبهما بالمال وترك جنى لشهور في مصحة علاجية، بل وكانا قد أعدا بالفعل طلب طلاق.

بعد أشهر، عادت نتائج تحاليل جنى إلى طبيعتها. أصبحت تنام بشكل أفضل، واختفت الارتجافات، وتوقفت عن السؤال كل صباح عما إذا كان أحد سيأتي ليأخذها.

وظل بيت الفيوم سليماً ومسجلاً باسمها.

في الربيع، قرر طارق أخذها إلى هناك مع الجدة فاطمة. وقفت جنى متأملة الواجهة الحجرية وقالت: “كانت سارة تقول إن هذا البيت سيختفي.”

سلمها طارق المفتاح: “لا أحد يستطيع إخفاءه. إنه ملككِ وسيظل لكِ طالما أردتِ ذلك.”

تجولا في الغرف، وعلى إحدى الطاولات وجدا صوراً قديمة. في إحداها كانت مريم تحمل جنى حديثة الولادة أمام النافذة.

– هل أشبه أمي؟

– كثيراً.. خاصة عندما تبتسمين.

ضمت جنى الصورة إلى صدرها وسألت بصوت خافت: “هل كانت أمي مريضة في عقلها أيضاً؟”

شعر طارق بغصة حادة في صدره: “لا. أمكِ كانت تعاني مرضاً جسدياً، لكن سارة استغلت ذكرها لتخيفكِ فقط.”

– إذن أنا لم أكن مجنونة أيضاً؟

– لم تكوني كذلك أبداً. كنتِ تتفاعلين مع شيء يُسكب لكِ دون علمكِ.

صمتت جنى قليلاً ثم طلبت زراعة أزهار تحت النافذة كما في الصورة. اختاروا أزهار البيوني البيضاء لأن مريم حملتها في حفل زفافها.

في ذلك المساء، اتصلت المحامية بطارق لتبلغه بانتهاء الإجراءات القضائية، وصدرت الأحكام بحق سارة وسامح بناءً على الجرائم المثبتة. واستُرد جزء كبير من الأموال ومعظم المجوهرات.

قالت المحامية: “لقد انتهى الأمر.”

نظر طارق إلى جنى وهي تلعب مع جدتها في الحديقة وقال: “بالنسبة لهما ربما.. أما هي فلا تزال بحاجة إلى وقت.”

بعد عام كامل، دخلت جنى المدرسة الابتدائية. وعادت لنوبات الغضب الطبيعية للأطفال: تتذمر من الملابس، وتجادل حول ترتيب ألعابها، وتريد اختيار حذائها بنفسها. وأصبحت تلك المعارك اليومية الصغيرة أجمل علامات التعافي.

أول مرة اضطر فيها طارق لإعداد حقيبة سفر، تجمدت جنى عند الباب:

– هل ستسافر؟

– ليوم واحد فقط، سأكون في الإسكندرية وأعود غداً قبل الغداء.

– هل يمكنك إلغاء السفر؟

– نعم. إن كنتِ تشتكين الخوف، سألغي الرحلة فوراً.

فكرت جنى لثوانٍ ثم قالت: “يمكنك الذهاب.. لكن تتصل بي قبل النوم.”

– سأتصل بكِ.

وفى طارق بعهده وعاد قبل الموعد. استقبلته جنى برسمة لبيت الفيوم، وفي الرسمات السابقة كان طارق يظهر حارساً ضخماً أمام الباب، أما هذه المرة فظهرت ثلاثة أشكال في الحديقة: جنى، ووالدها، والجدة فاطمة.

سألها مبتسماً: “لماذا لم أعد أقف حارساً أمام الباب؟”

ابتسمت جنى وقالت: “لأن الباب يُغلق الآن من الداخل.”

بعد أشهر، أثناء قضائهما عطلة نهاية الأسبوع في الفيوم، جلست جنى على ركبتي والدها:

– بابا، لدي سر.

توتر طارق تلقائياً، وللحظة عادت الحقيبة، والزجاجة، وذاك الوداع الصوري.

– أسمعكِ يا حبيبتي.

– لقد كسرتُ كوباً للجدة وخبأتُ الأجزاء خلف المخزن.

تنفس طارق الصعداء: “هذا تصرف خاطئ.”

– هل أنت غاضب؟

– قلق قليلاً، خاصة لأنكِ أخفيتِ الأمر.

خفضت جنى رأسها. أخذ طارق بيدها وقال: “لكنكِ أحسنتِ صنعاً بإخباري بالحقيقة. سنجمع الشظايا معاً ثم تعتذرين للجدة.”

– لن ترسلني إلى مكان بعيد؟

– لن أفعل ذلك أبداً لأنكِ قلتِ الحقيقة.

ابتسمت جنى وسحبته نحو الحديقة.

على الطاولة كانت الصور المستردة لمريم حاضرة، والأزهار تتحرك عند النافذة، وفي جيب الطفلة استقر مفتاح بيت ستديره بنفسها يوماً ما.

لم تعد جنى بحاجة لتهمس بمخاوفها بصوت خافت منتظرة أن يقرر شخص بالغ تصديقها.

فقد تعلم طارق شيئاً لم تكن أي كاميرا أو تقرير أو محكمة لتعلمه إياه: عندما يجمع طفل شجاعته ليقول “أنا خائف”، فإن الواجب الأول لوالده ليس البحث عن الأدلة… بل الاستماع إليه.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى