روايات وققص

الطفلة والمليونير

​أتى صاحب العقار المليونير وهو ممتلئ غضباً، مصمماً على طرد مستأجرة لم تدفع الإيجار منذ ثلاثة أشهر. لكن خلف باب الشقة، صُدم برؤية طفلة في السابعة من عمرها تخيط الثياب بحذر وأصابعها نازفة، بينما والدتها المريضة طريحة الفراش في الداخل. وبينما كان يكتشف السبب المفجع الذي يجعل كل درهم يمثل فارقاً بين الحياة والموت، وجد رجل الأعمال الثري نفسه مواجهاً لماضيه الأليم الذي قضى سنوات يحاول نسيانه… ولتغير هذه الطفلة الصغيرة إلى الأبد مفهوم النجاح والعائلة والرحمة في حياته.

 

​نزل نعمان من سيارته الفارهة دون أن يكلف نفسه حتى عناء إغلاق بابها. كان يشعر بضيق شديد؛ فقد كان يومه حافلاً بالاجتماعات المملة، وزاد على ذلك اضطراره للذهاب بنفسه لجباية الإيجار من مستأجرة تأخرت عن الدفع لثلاثة أشهر كاملة. لم يكن يستوعب كيف يعجز الناس عن التعامل مع أمر بسيط كهذا.

​سار في الممر الطويل للبناء القديم، وهو مبنى يصارع البقاء بأقل عمليات صيانة ممكنة. استقبلته أولاً رائحة الجبس الرطب، ومن مكان ما في الممر كان صوت خلاط قديم يعزف نغمته المزعجة في مطبخ أحدهم. وعندما وصل إلى الشقة رقم (4ب)، أخذ نفساً عميقاً وطرق الباب بقوة. لا إجابة. طرق مجدداً وبشدة أكبر. ثم سمع شيئاً… خطى صغيرة، حذرة ومترددة، تتقدم نحو الباب. انفتح الباب بضع سنتيمترات فقط.

​ما رآه جعله يتسمر في مكانه. طفلة صغيرة، ربما في السابعة من عمرها، بشعر بني مشعث وعينين واسعتين تبدوان أكبر من وجهها النحيل، كانت تنظر إليه من الأسفل. شفتاها المتشققتان وثيابها الملطخة بخيوط ملونة كانا ينطقان بالبؤس. لم تنطق بحرف، اكتفت بالنظر إليه بالطريقة التي ينظر بها الطفل إلى شخص بالغ يتوقع منه التوبيخ.

​جثا نعمان على ركبتيه، مأخوذاً بالموقف، وسألها عما إذا كانت والدتها في البيت. هزت الطفلة رأسها، لم تتكلم، بل اكتفت بنفي صامت. ظنّ أن الأم خرجت لشأن سريع، لكنه لاحظ خلف الطفلة ماكينة خياطة قديمة تعمل بالدواسة اليدوية، وعلى الطاولة بجوارها قصاصات قماش، وبكرات خيوط، وإبر. كانت الطفلة تخيط! لم تكن في المدرسة، ولا تلعب، ولا تشاهد أفلام الكرتون… كانت تخيط، وخزات الإبر تنتشر على يديها، وآثار الخيوط محفورة في أصابعها.

​سألها بصوت خرج منه، رغماً عنه، أكثر رقة من المعتاد: «هل أنتِ بمفردكِ هنا؟». مترددةً، نظرت الطفلة إلى الأسفل وفتحت الباب أكثر قليلاً. لم يشأ نعمان الدخول دون إذن، فاكتفى بالميل بجسده ليرى أفضل.

​كانت الشقة مظلمة، والستائر مسدولة، والهواء ثقيلاً. كرسي متهالك في الزاوية، وثلاجة يبدو أنها لم تُنظف منذ سنوات، وعلى الموقد قدر فيه بقايا طعام محترق. لكن ما صدمه بحق كان سريراً صغيراً في غرفة المعيشة، أغطية رقيقة، ولحاف ممزق، وبجواره علب أدوية فارغة. اتضحت الصورة أمامه دفعة واحدة. سألها دون أن يتحرك: «أمكِ مريضة؟». نظرت إليه الطفلة مجدداً، وأومأت برأسها، دون أن تزيد حرفاً.

​لم يدرِ نعمان ماذا يفعل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها الفقر؛ فقد نشأ هو نفسه في حي شعبي فقير منذ زمن طويل، قبل أن يؤسس شركته، وقبل أن يوضع اسمه على عقود العقارات… يوم كانت أمه تجمّع القروش على طاولة مطبخ لا تختلف كثيراً عن هذه الطفلة. غير أن سنوات طويلة مرت منذ أن وقف وجهًا لوجه أمام فقر بهذا الخلاء والوضوح، وفوجئ كيف سرعان ما عاد إليه ذلك الشعور القديم؛ قهر طفل يعيش في عالم يعوزه كل شيء.

​أخرج هاتفه متظاهراً بمراجعة أمر ما، وسأل الطفلة عن اسم والدتها. قالت بصوت خفيض: «سارة». ثم، وكأنها خجلت من الحديث، عادت إلى الخياطة بين يديها. سألها نعمان عن الإيجار، رغم أنه لم يعد يهمه في تلك اللحظة. قالت الطفلة إن والدتها تركت مظروفاً تحت الفراش، ثم ركضت دون أن تفلت الإبرة من يدها، وعادت بعد ثوانٍ بمظروف مجعد. فتحه نعمان… كان شبه فارغ، بضع ورقات نقدية صغيرة لا تتعدى بضعة دنانير. لم يقل شيئاً؛ فلم يكن هذا وقت الحديث عن المال.

​وعندما عادت الطفلة إلى ماكينة الخياطة، وقف مسمّراً عند الباب. لم يستطع أن يدير ظهره ويرحل، وفي الوقت نفسه لم يدرك كيف يمد يد العون دون أن يبدو الأمر وكأنه شفقة. أعادت الطفلة تشغيل الماكينة، فملأ صوت الدواسة الإيقاعي الصمت الثقيل. لم يغادر نعمان؛ ظل واقفاً يراقب قدميها الصغيرتين المرهقتين تضغطان على الدواسة، ورأسها يميل من التعب وهي تواصل العمل، وكأن لا خيار آخر أمامها.

​شيء ما انكسر داخله في تلك اللحظة. لم تكن شفقة، ولم يكن شعوراً بالذنب… كان شيئاً أقرب إلى الغضب، غضب لا يجد له مخرجاً؛ غضب من الأم، ومن الظروف، ومن نفسه لأنه لم ينتبه لشيء كهذا من قبل. رأى قطرة دم صغيرة تسيل من طرف إصبعها، فمسحتها بثوبها دون أن تتأفف أو تشتكي، وواصلت الخياطة.

​سألها أخيراً: «ما اسمكِ؟». ترددت قليلاً، ثم قالت: «ليان»، وعادت لاهتمامها بالقماش.

​مدّ نعمان يده إلى جيبه، وأخرج محفظته، ثم سحب منها حزمة من الأوراق النقدية ووضعها على الطاولة دون كلمة. لم تكلف ليان نفسها حتى عناء النظر إليها، واستمرت في الخياطة.

​خرج من الشقة دون أن يغلق الباب بالكامل خلفه، وكأنه بترك الباب موارباً يضع فارقاً بين أن يرحل للأبد، وبين أن يظل قريباً منها ولو قليلاً.

وقافزاً في سيارته، جلس نعمان لبرهة ينظر إلى عجلة القيادة دون أن يدير المحرك. كان خفقان قلبه سريعاً وثقيلاً. لم تجاربه مع الصفقات الكبرى ولا حساباته البنكية الضخمة بقادرة على تمحيص الصورة التي انطبعت في ذهنه: أصابع ليان الصغيرة المليئة بوخزات الإبر، وقطرة الدم التي مسحتها بطرف ثوبها دون أن تشاكي أو تتوقف.

​لم يستطع القيادة بعيداً. ترجل من السيارة من جديد، لكنه هذه المرة لم يتجه نحو الشقة، بل سار عبر الممر المظلم نحو الشقة المجاورة لـ (4ب). طرق الباب، وبعد لحظات فتحت امرأة متقدمة في السن، ترتدي ثوباً بسيطاً وتسترق النظر بحذر.

​«نعم؟ من أنت؟» سألت بعينين مليئتين بالارتياب.

​«أنا نعمان، صاحب هذا المبنى»، أجابها بنبرة خالية من الاستعلاء لأول مرة منذ سنوات. «أردت فقط أن أسألك عن جارتك في الشقة (4ب)… عن سارة وابنتها».

​تغيرت ملامح المرأة فوراً، وتلاشت قسوتها ليحل محلها حزن عميق. زفرت بحسرة وقالت: «آه… مسكينة تلك المرأة. سارة تعمل ليلاً ونهاراً في خياطة الملابس لحساب أحد المشاغل، لكنها أصيبت بحمى شديدة وسعال حاد منذ أسابيع. يزداد وضعها سوءاً كل يوم، ولا تملك ثمن العلاج أو الذهاب إلى المستشفى. أما الصغيرة ليان… فهي تحاول إنهاء الطلبيات بدلاً عن أمها حتى لا يخسروا القوت القليل الذي يبقيهم على قيد الحياة، وحتى لا يطردهم صاحب الملك…».

​توقفت المرأة فجأة وتبادلت النظر معه، وكأنها أدركت للتو أنه هو نفسه ذلك «صاحب الملك» الذي يخشونه.

​شعر نعمان بغصة في حلقه. لم يقل شيئاً، بل أخرج هاتفه فوراً واستدعى طبيباً خاصاً من معارفه، وأمره بالتوجه فوراً إلى الشقة رقم (4ب) مع كل ما يلزم من أدوية ورعاية طبية، مشدداً على أن يتكفل هو بكل المصاريف.

​عاد نعمان بخطوات حثيثة نحو الشقة. فتح الباب الموارب ببطء. كانت ليان لا تزال جالسًة عند ماكينة الخياطة، يدها الصغيرة تدير العجلة بإصرار يسبق سنها بكثير.

​اقترب منها وجثا على ركبتيه مجدداً حتى صار في مستوى نظرها. جلس يتأملها، وفي تلك اللحظة، استرجع صورة أمه وهي تجلس في عتمة الليل تطرز الثياب لكي تؤمن له ولأخوته ثمن الخبز… كم نسى هذا الماضي؟ كم شغله جمع المال عن تفقد آلام الناس؟

​«ليان…»، قال بصوت دافئ ومطمئن. «توقفي عن الخياطة الآن. الطبيب في طريقه إلى هنا ليفحص أمكِ ويساعدها على الشفاء».

​رفعت ليان عينين ملأتهما الدهشة والدهشة، واستقرت نظراتها على وجهه. ولأول مرة، لمح في عينيها بريق أمل صغير يتسلل من بين التعب والبؤس.

الفصل الثاني

​في تلك الليلة، لم يذق نعمان طعماً للنوم. ظلت مشاهد اليوم تتردد في ذهنه ك شريط سينمائي: طفلة صغيرة تخيط الملابس بمفردها، وتحمل على كاهليها عبء العالم، في مبنى قديم كاد أن يتهدم.

​في الصباح التالي، استيقظ مبكراً على غير عادته، وهو أمرٌ لا يفعله إلا إذا كان هناك عمل طارئ في الشركة. وبدلاً من أن يتجه مباشرة إلى مكتبه، عرّج على دكان في الحي واشترى بعض الخبز والمواد الغذائية الأساسية.

​عندما طرق باب الشقة (4ب)، وكان طرقه هذه المرة رقيقاً وهادئاً، فتحت ليان الباب بسرعة أكبر من المرة الأولى. رفع نعمان أكياس البقالة قائلاً: «أحضرت لكِ بعض الأشياء». وضع الأكياس جانباً، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها وسألها: «هل أستطيع الدخول لدقيقة؟». لم تجب بالرفض، بل تنحت جانباً لفسح المجال له.

​سألها إن كانت قد تناولت طعامها، فهزت كتفيها وقالت بصوت خفيض: «خبز قليل مع بعض الملح».

​جلس نعمان على الكرسي الوحيد الذي بدا متماسكاً في الغرفة وسألها: «هل أمكِ ما زالت في المستشفى؟». أومأت برأسها وهي تنظر إلى الأرض.

​«منذ متى؟»

​«منذ ثلاثة أيام.»

​«ومن يعتني بكِ الآن؟»

​«لا أحد… أنا بخير.»

​انعصر قلبه ألمًا، وسألها: «لماذا كنتِ تخيطين بالأمس؟».

​رفعت ليان رأسها، وللمرة الأولى بدت مستعدة للحديث: «عليّ أن أسلّم بعض أغطية الوسائد. السيدة أم سمير تعطيني بضع دراهم إذا أنهيتها بسرعة وبشكل جيد».

​«ومن هي السيدة أم سمير؟»

​«تسكن في الطابق الثالث، هي من علمتني الخياطة عندما مرضت أمي».

​«وما الذي تعاني منه أمكِ؟»

​صمتت ليان قليلاً، وعضت على شفتها وهي تسترق النظر نحو الباب كأنها تريد الهرب، ثم قالت بصوت خافت كأنه همس: «سرطان الدم (اللوكيميا)».

​«وماذا يقول الأطباء؟»

​«تقول إنها بحاجة إلى أدوية ونقل دم وعملية جراحية».

​«هل لديكما تأمين صحي؟»

​«لا».

​مرر نعمان يده على وجهه وهو يزفر بضيق. كان رجل أعمال يدير الصفقات الكبرى من مكتبه المكيّف الفاخر، وها هو الآن في غرفة مظلمة كادت الستائر تمنع عنها نور الشمس، يستمع لطفلة في السابعة تشرح له كيف تحارع الموت الخفي في جسد أمها، وكيف تخيط لتأمين لقمتها.

​«لماذا لم تخبريني بهذا بالأمس؟» سألها.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى