روايات وققص

الطفلة والمليونير

​هزت ليان كتفيها: «ظننت أنك لو عرفت الحقيقة فستطردنا من الشقة أو تستدعي دار الرعاية للقبض عليّ».

​وقعت كلماتها عليه كالصاعقة؛ لم تكن ليان خائفة من الغرباء، بل كانت خائفة من النظام، خائفة من الكبار الذين يتخذون القرارات دون علم الصغار، وخائفة من أن تُبعد عن أمها.

​قال لها بنبرة حازمة ومطمئنة: «لن أفعل ذلك أبداً. لن أأخذكِ إلى أي مكان دون موافقتكِ. كل ما أريده هو المساعدة».

​وللمرة الأولى، نظرت إليه ليان بشيء يشبه الثقة، وسألته: «من أنت أساساً؟».

​ابتسم نعمان ابتسامة خفيفة وقال: «لنقل إنني صاحب هذا المبنى… لكن اليوم، أنا لست هنا بصفتي صاحب الملك؛ اليوم أنا فقط نعمان».

​أومأت برأسها ببطء، ثم صبت له كوباً من الماء في كاس بلاستيكي.

​وبينما كانت تطلع على أغطية الوسائد التي تعمل عليها، لاحظ نعمان دفتر رسم في الزاوية مليئاً بالرسومات: رسمة لـ ليان وامرأة مستلقية وتتصل بها أنابيب طبية، وابتسامة حزينة ترسم وجههما، وبينهم قلب كبير، وتحت الرسمة كُتب بخط يد طفولي متعرج: «كل شيء سيكون بخير يا أمي».

​في تلك اللحظة بالذات، أدرك نعمان أن عليه التصرف فوراً، مهما تطلب الأمر.

​خرج من الشقة وهو يشعر بألم يعصر صدره. وقبل أن يغادر البناء، توقف عند الشقة (3أ)، حيث تسكن العجوز أم سمير، الجارة التي ترى كل شيء من نافذتها ولا تخفي الحقيقة.

​قالت أم سمير وهي تدعوه للدخول قبل أن يسألها حتى: «تلك المسكينة سارة، تصارع هذا المرض الخبيث منذ أشهر. والصغيرة ليان، يرحمها الله، تحاربت مع الدنيا بمفردها منذ أن عادت أمها للمستشفى. ليس لديهم أي عائلة أعرفها. تستيقظ الطفلة مبكراً، تشتري الخبز، تنظف البيت، تغسل الملابس بيدها، وتخيط فوق كل ذلك! أسمعها تبكي أحياناً في الليل، ولكن ماذا عسى عجوزاً مثلي أن تفعل؟».

​شعر نعمان بغصة تخنقه، فسألها: «هل تعرفين في أي مستشفى هي الآن؟».

​«في المستشفى الحكومي الكبير وسط المدينة، في قسم الأورام. أخذت لها بطانية مرة لأن الليالي هناك باردة جداً. لا أحد يزورها، سوى ابنتها عندما تستطيع».

​شكرها نعمان وغادر مسرعاً. اتصل بمديرة مكتبه لتلغي اجتماعاته المهمة لهذا اليوم، وقاد سيارته مباشرة نحو المستشفى، متوقفاً في الطريق لشراء بعض الفواكه والعصائر وبطانية ثقيلة.

​وجد سارة في الطابق الثالث؛ كانت نحيلة، شاحبة الوجه، وشعرها مقصوص بشكل قصير.

​جلس بجانبها وقال بصوت هادئ: «أهلاً يا سارة… أنا نعمان، صاحب العقار. أردت فقط أن تعلمي أن ابنتكِ بطلة حقيقية وتُحارب بشجاعة».

​لم تستطع سارة الرد، لكن شفتيها تحركتا ببطء بكلمات لم تُسمع.

​غادر نعمان المستشفى وهو يشعر وكأن العالم صار أكثر قسوة وحزناً. وفي تلك الليلة، اتخذ قراراً حاسماً: لن يكتفي بالمساعدة من بعيد عبر الشيكات والمساعدات العابرة… بل سيتكفل بالجميع بنفسه، حتى لو كلفه ذلك خوض مواجهات مع أقرب الناس إليه أو زملائه في الشركة.

الفصل الثالث

​عاد نعمان يوم السبت التالي قبل شروق الشمس، ودون أن يطرق الباب هذه المرة. كان قد ملأ سيارته بالبقالة والمستلزمات، وركنها على بعد شارع من المبنى، ثم وضع الأكياس أمام باب الشقة (4ب)، مدساً مظروفاً فيه مبلغ نقدي داخل أحد أكياس الخبز لكي تكتشفه ليان بالصدفة.

​وفي اليوم التالي، زارهما بشكل رسمي. كانت ليان قد مشطت شعرها وارتدت ثوباً نظيفاً، وبدت لأول مرة مرتاحة ومستريحة. وقالت له وهي تجاريه في الحديث وكأن الجيران هم من تركوا الأكياس: «هناك من ترك هذه الأكياس أمام الباب». ثم قدمت له قطعة بسكويت بالفانيليا.

​وقبل أن يغادر، قدمت له قطعة قماشية صغيرة أعدتها بنفسها؛ مطرزة بحرفي اسمها واسمه بالخيط الأحمر، وتحيط بهما هالة على شكل قلب صغير. وقالت: «صنعتها لك بالأمس».

​شعر نعمان بدفء يغمر صدره وقال: «شكراً لكِ يا ليان… سآخذها معي إلى مكتبي حتى لا أنسى أبداً ما هي الأشياء الحقيقية التي تستحق الاهتمام في هذه الحياة».

​أثناء نزوله على الدرجات، تصادف مع دينا، مديرة إدارة العقارات لديه، وهي تنزل بخطوات حادة بصوت كعبها العالي وتحمل ملفاً تحت ذراعها.

​سألته باستغراب: «ما الذي تفعله هنا يا رئيس؟»

​«أمر شخصي.»

​«هل له علاقة بمستأجرة الشقة (4ب)؟ إنها متأخرة عن الإيجار لثلاثة أشهر، ووفقاً للعقد الذي وقّعت عليه أنت بنفسك، يفترض أن نرفع دعوى إخلاء هذا الأسبوع».

​لم يجبه نعمان على الفور. كان مصمماً في داخله على أنه لن يستطيع أحد إخراج ليان من تلك الشقة طالما أن له سلطة أو كلمة.

​لم تكن دينا غبية؛ فما إن رأت ملامح وجهه وهو يغادر المبنى يحمل تلك القطعة المطرزة، حتى أدركت أن هناك أمراً غير طبيعي. وفي بعد ظهر ذلك اليوم، بدأت بالتفتيش والبحث في سجلات العقارات، وتاريخ الإيجارات، والمراسلات، لتكتشف تحويلات مالية شخصية من حساب نعمان الخاص إلى حساب المستشفى الحكومي، ومدفوعات لصيدلية الحي. كان يدفع التكاليف بصمت دون أن يخبر أحداً.

​في تلك اللحظة، تغيرت ملامح دينا. لم تكن تملك أي تعاطف إنساني مع الق\ضية، بل رأت في الأمر فرصة سانحة؛ فإذا كان نعمان يحول أموالاً غير معلنة، فهذا يمثل ثغرة قانونية ومالية يمكن استخدامها للإطاحة به وإزاحته من منصبه في الشركة.

​في صباح اليوم التالي، ذهبت دينا إلى المبنى بمفردها وطرقات الباب بقوة على الشقة (4ب). فتحت ليان الباب.

​«هل أمكِ في البيت؟»

​«لا، هي في المستشفى.»

​«أخبري أمكِ أن أمامها ثلاثة أيام فقط لإخلاء الشقة. أنا أسفة، ولكن لا يوجد استثناءات».

​«أمي مريضة»، قالت ليان دون أن تتحرك من مكانها.

​«أعلم ذلك، وأنا أسفة لما تمكثين به، لكن هذه هي قوانين المالك».

​لم تقل ليان شيئاً؛ بل اكتفت بإغلاق الباب ببطء.

​وفي طريق خروجها، تقاطعت طرق دينا مع العجوز أم سمير على الدرج.

سألتها أم سمير بنبرة حادة: «هل أنتِ من تركتِ إشعار الإخلاء؟»

​«هذا عملي، ولا يوجد شيء شخصي في الأمر».

​«بالطبع، هذا ما يقوله الجميع دائماً»، تمتمت أم سمير بغضب. «ولكن عندما تصبح تلك الطفلة المسكينة في الشارع، هل ستكونين أنتِ من يشرح لها السبب؟».

لم تبالِ دينا واصلت طريقها دون إجابة.

​في بعد ظهر ذلك اليوم، مشت ليان إلى المستشفى وهي تحمل إشعار الإخلاء المطوي في حقيبتها المدرسية، وأرته لأمها. قرأت سارة الورقة وإغماضت عينيها من شدة العجز، فقد كانت أضعف من أن تتكلم، واكتفت بمد يدها لتمسد شعر ابنتها بحنان وحزن.

​في هذه الأثناء، تلقى نعمان اتصالاً من رقم مجهول. كان صوت دينا حاداً كعادته: «أمامك 24 ساعة فقط للتوقيع على قرار الإخلاء. إذا لم تفعل، فسأرسل الملف كاملاً إلى الشركاء ومجلس الإدارة، بما في ذلك كل التحويلات البنكية التي قمت بها… القرار لك».

​أغلق نعمان الخط دون أن ينطق بكلمة، وكان فكاه مشدودين من شدة الغضب.

​عادت خطواته إلى الشقة في ذلك المساء.

​سألته ليان وهي تنظر إليه بعينين خائفتين: «ماذا ستفعل؟ أنا لا أستطيع الدفع، ولا أملك مكاناً نذهب إليه… ولكن إذا غادرت الشقة، كيف ستعرف أمي أين تجدني عندما تخرج؟».

​أغمض نعمان عينيه للحظة. لم تكن ليان تقلق على نفسها، بل كان كل همها ألا تفقد أمها طريقها إليها.

​قال لها بنبرة صلبة ومطمئنة: «لن تذهبي إلى أي مكان. لن أسمح لشيء كهذا بأن يحدث… أعدكِ».

​في الصباح التالي، وصل نعمان في الساعة السابعة والنصف. كانت ليان تنتظره على الدرج وبظهرها حقيبة صغيرة، تملؤها مشاعر متضاربة بين التوتر والحماس. قاد السيارة نحو المستشفى في صمت غالباً.

​كانت سارة مستلقية على الفراش، يبدو عليها الشحوب والضعف أكثر من ذي قبل. اقتربت منها ليان، وعانقتها بحذر شديد دون أن تطلق سراحها. وظل نعمان يراقب المشهد من عند الباب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى