روايات وققص

الطفلة والمليونير

​في هذه الأثناء، كانت دينا تجري اتصالاتها مع المحامين وتجمع الوثائق، رافضةً فكرة الخسارة. وتمكنت بسريّة تامة من الحصول على توقيع القاضي بإخلاء الشقة دون علم نعمان، مستغلة علاقاتها وإحدى شركات الإخطارات المتخصصة في هذا النوع من القضايا.

​وفي ظهيرة يوم الجمعة، وصل شخصان بملابس مدنية إلى المبنى وبحوزتهما الأوراق الرسمية. طرقا باب الشقة (4ب) دون إجابة؛ فقد كانت ليان ووالدتها في المستشفى.

​لم تكن سوى العجوز أم سمير هناك، والتي أسرعت بالنزول فور رؤيتهما وسألتهما بغضب: «ماذا تفعلان هنا؟»

​«ننُفّذ أمر إخلاء قضائي.»

​فتحا الباب باستخدام مفتاح أُعطي لهما وبدأا في توضيب المحتويات. نزُعت رسومات ليان عن الجدران، ودُفاترها المدرسية، وحقيبة الخيوط الملونة، ولعبتها القماشية ذات العين الواحدة… كل شيء وُضع في صناديق كُتب عليها: “أغراض شخصية”.

​حاولت أم سمير الاتصال بـ نعمان مراراً وتكراراً، لكنه لم يرد؛ إذ كان متواجداً في قاعة الانتظار بالمستشفى التخصصي الفاخر الذي رتّب نقل سارة إليه بعدما أكد له أحد الأطباء وجود علاج تجريبي يمنحها فرصة حقيقية للشفاء.

​حضرت دينا بنفسها لاحقاً للإشراف على التفرغ. وسألها أحدهم: «وماذا لو عادت الطفلة؟»

أجابت دينا ببرود: «ليست مشكلتي»، ثم غادرت.

​بعد ساعات، وبعد أن استقرت حالة سارة دون أن تتجاوز مرحلة الخطر تماماً، عاد نعمان برفقة ليان ليرتاحا ويتناولا شيئاً من الطعام.

​استقبلتهما أم سمير عند المدخل بملامح يملؤها القلق. ركضت ليان للأعلى حتى وصلت باب شقتها فتسمرت في مكانها؛ كان هناك شريط إشعار أبيض ملصق على الباب: تم تنفيذ الإخلاء. يُمنع الدخول.

​سألت ليان بصوت يرتجف: «ما هذا؟»

​تفحص نعمان هاتفه ليجد عشرين مكالمة لم يرد عليها، جميعها من أم سمير، ورسالة نصية واحدة: «لقد أخذوا كل شيء يا نعمان… دينا أرسلت أشخاصاً لإخلاء الشقة بالكامل.»

​سألته ليان: «هل هي تلك المرأة؟»

لم يجبه نعمان على الفور، ثم قال: «نعم… هي».

نظرت ليان إلى الأرض، واستدارت ونزلت الأدراج دون أن تنطق بكلمة أخرى.

​في تلك الليلة، أخذها نعمان إلى منزله، وخصص لها إحدى غرف الضيوف، وأعد لها حساءً وشراباً دافئاً. أكلت في صمت، وعندما انتهت، جلست على الأريكة واضعة رأسها بين ركبتيها.

​سألته بصوت خافت: «ماذا لو ماتت أمي وأنا هنا؟»

​«لن يحدث ذلك. وحتى لو حدث، فأعدكِ بأنكِ لن تكوني وحيدة أبداً، وسيكون هناك من يقف بجانبكِ دائماً.»

​نظرت إليه لأول مرة طوال اليوم وقالت: «أمي أخبرتني أن هدا لن تتركني بمفردي أبداً».

​«وهي لن تفعل ذلك… وأنا لن أفعل أيضاً.»

​لاحقاً، وبعد أن نامت ليان أخيراً، خرج نعمان إلى الشرفة واتصل بـ دينا وقال بغضب: «كيف تفعلين ذلك دون علمي؟»

​«لأنك لا تملك الجرأة لفعله. وإذا لم يعجبك الأمر، فأنت تعرف ما عليك فعله.»

​«لقد تجاوزتِ الحدود يا دينا… وسأصلح هذا الأمر.» وأغلق الخط.

​حل الصباح مع عاصفة رعدية قوية وأمطار غزيرة. استيقظ نعمان قبل شروق الشمس ليجد سرير ليان فارغاً؛ لا ملابس، ولا حقيبة، ولا أي أثر.

​اتصل بالمستشفى أولاً، لكن لم يُسمح بالزيارات في ذلك الصباح الباكر، مما يعني أنها لم تذهب إلى هناك. فاد سيارته مسرعاً إلى المبنى القديم. لم ترها أم سمير، لكنها سمعت خطوات على الدرج في حدود الساعة الثالثة فجراً.

​راجع نعمان تسجيلات كاميرات المراقبة بالقرب من المكان، فرأى ليان تسير بمفردها تحت المطر، ترتدي معطفاً كبيراً وحقيبتها متأرجحة على ظهرها.

​وفجأة، تذكر شيئاً… دار الرعاية!

كانت أم سمير قد ذكرت له سابقاً أن سارة وليان قضتا بضع ليالٍ في دار لرعاية النساء والاطفال بالقرب من المستشفى القديم عندما دخلت سارة المستشفى للمرة الأولى.

​في أحد الأيام، جلس الطبيب مع نعمان وقال له: «حالتها لا تزال حرجة، لكنها تقاوم، وقرب ابنتها منها يعطيها دافعاً كبيراً للاستمرار».

​«هل تعتقد أنها يمكن أن تتعافى؟»

​«مع ما نفعله الآن، لديها فرصة حقيقية. ليس أمراً مضموناً، ولكنه ممكن جداً».

​كان هذا كل شيء بالنسبة لـ نعمان؛ فرصة حقيقية، وأمل جديد.

​ورغم ذلك، كان يعلم أن دينا لم تنتهِ بعد. فمنذ آخر رسالة من محاميه، خيم عليها الصمت، وهذا لم يطمئنه؛ فقد كان يعرفها جيداً ويعلم أن صمتها يعني أنها تخطط لأمر أكبر. لذا بدأ بتحريك بيادقه، فجمع الوثائق، والرسائل الإلكترونية التوثيقية، وتقريراً محاسبياً بكل خطوة قامت بها دينا خلال الأسابيع الماضية.

​في إحدى الليالي أثناء العودة من المستشفى، سألت ليان فجأة: «لماذا تفعل كل هذا من أجلنا؟»

​«لأن أحداً ما كان يجب أن يفعل ذلك».

​«ولكن لماذا أنت بالذات؟»

​«لأنني أملك القدرة على ذلك، ولأنكما تستحقان الأفضل».

​لم تقل شيئاً آخر، بل أسندت رأسها على النافذة، مدركة أن لديها أخيراً شيئاً لا يمكن شراؤه أو طلبه… شخصاً لن يتخلى عنها أبداً.

​لم تكن دينا تعرف معنى الخسارة؛ فقد تعلمت منذ صغرها أن العالم ملك لمن يتحرك لا لمن ينتظر أن تهبط عليه النعم. اتصلت بمحاسب سابق في الشركة كان يدين لها بجميل، وأمرته بالتفتيش في كشوفات نعمان المالية الأخيرة: الحسابات، المصاريف، التبرعات، وكل ما يمكن أن يبدو مشبوهاً.

​وفي غضون أسبوع، كان بحوزتها ملف كامل: تحويلات خاصة، فواتير طبية، إيصالات نقل، مفبركة ومغلفة بأرقام خسائر مضخمة ورسائل بريد إلكترونية منتقاة بعناية، بعد جردها من سياقها الأصلي الذي يوضح أنها مصاريف شخصية.

​ذهبت إلى اثنين من كبار الشركاء في الشركة، وعرضت الملف كاملاً وكأنها مجرد موظفة حريصة على مصلحة العمل: «لا أريد إثارة المشاكل»، قالت بنبرة ناعمة، «لكن هذا قد يتحول إلى مسؤولية مالية وقانونية خطيرة، ولا أريد أن نتحمل جميعاً عواقب ذلك».

​بدأ الشركاء، وهم يحدقون في الأرقام والوثائق، يشكون في الأمر. زرعت دينا الفكرة بحذر بأن نعمان يتصرف بعاطفية وطيش، بل وبعدم مسؤولية: «إنه ينفق أموال الشركة وكأنها حسابه الشخصي على مستأجرة مريضة وطفلة لا تربطه بهما أي صلة قرابة».

​بدأت الفكرة تؤتي ثمارها وتترسخ لديهم. لم تكن دينا تسعى لمجرد توجيه لوم أو لفت نظر، بل كانت تريد إزاحته من منصبه وإخراجه من الشركة تماماً، وكانت تعلم أنها بحاجة إلى مزيد من الدعم لتحقيق ذلك، فبدأت تتحرك بحذر من طابق إلى طابق، تهمس في آذان الموظفين الموثوقين: «إنه لم يعد كما كان… هناك شيء غير طبيعي، إنه يخفي شيئاً ما».

​كانت الاستراتيجية بسيطة جداً: عزله تماماً.

الفصل السادس

​في هذه الأثناء، لم يكن لدى نعمان أدنى فكرة عن المدى الذي وصلت إليه الأمور. وفي أحد الأيام، فور عودته إلى مكتبه، وجد خطابات رسمية على مكتبه؛ إشعاراً للحضور أمام اجتماع طارئ لشركاء الشركة للتحقيق في اتهامات بالتصرف وسوء استخدام موارد الشركة.

​ورغم أن كل درهم أنفقه على سارة وليان كان من حسابه الشخصي الخاص، إلا أن المستندات قُدمت بطريقة تظهره وكأنه يمارس احتيالاً مالياً بحق الشركة. اتصل بمحاميه على الفور وقال: «دينا هي من تقف خلف هذا الأمر».

​«هل لديك دليل؟»

​«ليس بعد، ولكنني سأحصل عليه».

​لم يذق نعمان طعم النوم في تلك الليلة، ليس خوفاً، بل من شدة الغضب.

​في اليوم التالي، طلب نعمان الاطلاع على سجلات الشركة والوثائق الداخلية، وهناك وجد الضالة: توقيع دينا مزوراً بإتقان، تفوض به المستندات الاتهامية ضده.

​وفي المساء، تلقى مكالمة من رقم مجهول: «دينا تبحث في أمر الطفلة، وتصمم على إثبات أنك تعيش معها لتتهمك برعاية غير قانونية ومحاولة سلب وصاية الطفلة».

​اتصل بالمستشفى التخصصي فوراً وقال لـ سارة: «أحتاج منكِ أن تثقي بي يا سارة. دينا تحاول التسلل إلى حياتنا، ولن أسمح لها بذلك. سأحمي ليان وكأنها ابنتي، ولكنني بحاجة لتفويض منكِ حتى تكون الأوراق القانونية سليمة تماماً».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى