
فتحت سارة عينها للحظة، وتمتمت بصوت خافت جداً، لكن نعمان فهم مقصدها كاملاً عندما قالت: «أنا أثق بك…».
ساعدتها إحدى زميلاتها في المدرسة في تصوير القطع، فنشرتها على الإنترنت، وبدأت تتلقى الطلبات، وتطرز الأسماء على قصاصات القماش، وترتب عمليات التسليم عبر سائق توصيل عند زاوية الشارع. لم تخبر أحداً بما تفعله.
كانت تضع كل درهم تجمعه في صندوق صغير خبأته تحت فراشها، وكان هدفها الوصول إلى 200 درهم.
مر أسبوعان. وفي أحد الأيام، مر نعمان على غرفتها ليمسح عليها، فوجدها نائمة والإبرة لا تزال في يدها، وبجوارها قصاصة قماش كُتب عليها اسم «سارة» بخيط بنفسجي.
سأل باستغراب: «ماذا تفعل؟»
لم تكن لدى مريم أي فكرة أيضاً.
استيقظت ليان فجأة، فسألها نعمان: «هل تبيعين هذه القطع؟»
«نعم، من أجل علاج أمي. لا أريدها أن تموت بسبب المال».
جثا نعمان أمامها قائلاً: «لن يحدث ذلك أبداً. ليس عليكِ تحمل هذا العبء بمفردكِ».
ردت بصلابة وإصرار: «بل عليّ ذلك، لأنها طالما تفانت وقدمت كل شيء من أجلي… والآن جاء دوري».
«كم جمعتِ حتى الآن؟»
«مائتين وعشرة دراهم».
شيء ما انكسر بداخل نعمان بهدوء شديد في تلك اللحظة.
في اليوم التالي، ذهب إلى المستشفى وحصل على التفاصيل المالية كاملة: التكلفة تقارب أربعة آلاف درهم بالإضافة إلى الفحوصات الأولية. وقرر أن يفعل شيئاً مختلفاً هذه المرة.
قال لـ ليان: «سأتولى أنا دفع باقي المبلغ، لكنكِ أنتِ من ستسلمين ما جمعتِه بنفسكِ. هذا جهدكِ، وهذه هديتكِ، وأمكِ تستحق أن تعلم ما فعلتِه من أجلها».
وفي اليوم التالي، وهي تحمل الصندوق الصغير بين يديها، دخلت ليان مكتب الطبيب وقالت وهي تضع الصندوق على الطاولة: «هذا من أجل علاج أمي».
وفي مساء ذلك اليوم، قصت ليان على والدتها سارة كل ما قامت به. لم تستطع سارة الكلام، لكنها ضغطت على يد ابنتها بقوة، وانهمرت من عينيها دموع صامتة تفيض بالحب والفخر.
أقر الأطباء بدء العلاج التجريبي، لكن القرار الأخير كان بيد سارة نفسها.
دخل نعمان الغرفة ومعه الأوراق الرسمية وقال: «العلاج جاهز. إنه ينطوي على بعض المخاطرة، ولكنه الفرصة الأفضل المتاحة».
نظرت سارة إلى ليان وقالت بصوت خافت: «لا أريد أن أترككِ».
ردت ليان: «أريدكِ أن تتعافي يا أمي. ولكن إن كنتِ لا تريدين خوض العملية، فأن سأكون بخير… فقط أخبريني بما تريدين».
أخذت سارة نفساً عميقاً وقالت: «أنا موافقة».
تحدد موعد العملية الجراحية في صباح اليوم التالي. لم ينم أحد جيداً في تلك الليلة.
وبعد ما يقرب من ست ساعات من الانتظار القاتل، خرج الطبيب من غرفة العمليات وقال: «لقد نجحت العملية وتجاوزت المرحلة الحرجة».
غطت ليان وجهها بيديها الصغيرتين، وانفجرت أخيراً بالدموع… دموع الفرح.
سألت وهي تنظر إلى نعمان: «هل نجحنا حقاً؟»
أجابها نعمان والابتسامة تملأ وجهه: «نعم يا ليان… لقد نجحنا».
الفصل الثامن (الأخير)
في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تغسل الأطباق في المنزل، رن جرس الباب. كانت دينا هي الواقفة عند الباب؛ دون حُلّتها الرسمية، ودون ملفاتها المعتادة، فقط معطف طويل ومظروف في يدها.
خرجت ليان إليها وسألتها: «ماذا تريدين يا دينا؟»
أخرجت دينا صورة قديمة من المظروف وقالت: «كنت أعرف والدتكِ منذ زمن طويل… كنا أختين، تفرقنا ونحن صغار، وتبنتها عائلة أخرى. وجدتها بعد سنوات طويلة، ولم أخبرها قط بحقيقتي… لكنها ردتني وقالت إن حياتها ممتلئة بكِ ولا تسع أحداً آخر».
اشتدمت ملامح ليان، فتابعت دينا: «أنتِ لستِ ابنتها البيولوجية… تبنّتكِ عندما كان عمركِ ثلاثة أشهر. تركتكِ أمكِ الحقيقية في عيادة، وأتت سارة بعد ذلك بوقت قصير وسألت إن كان بإمكانها مساعدتكِ، ولم تتخلَّ عنكِ لحظة واحدة منذ ذلك الحين».
ساد صمت ثقيل، فسألتها ليان: «وماذا في ذلك يا دينا؟ ما الذي يغيره هذا؟»
«ألا يهمكِ الأمر؟»
«لا، لأنها أمي الحقيقية. هي من ربتني، وعلمتني الخياطة، واحتضنتني عندما كنت أخاف… لا شيء آخر يهم».
«وأنا خالتكِ…»
«نعم… ولماذا أردتِ إيذاءنا إذن؟»
لم تجد دينا إجابة. في تلك اللحظة، ترجل نعمان من سيارته وتوجه نحوهما مباشرة.
قالت دينا: «لم آتِ للشجار يا نعمان… جئت لأقول الحقيقة. أنا مريضة، ليس كـ سارة، لكن أيامي في هذا العالم معدودة، ولا أريد أن أحمل كل هذا الإثم معي عندما أرحل».
رد عليها نعمان: «إذن افعلي الشيء الصحيح قبل أن ترحلي».
أومأت دينا برأسها ومشت بعيداً بخطوات بطيئة.
سمعت سارة بزيارة دينا في ذلك المساء؛ إذ قصت عليها ليان كل شيء بصراحة ودون تجميل.
لم تتفاجأ سارة ولم تفزع، بل همست بصوت خافت: «لا يهم كيف أتيتِ إليّ يا ليان… المهم أنكِ أتيتِ، وهذا كل ما يهم في هذه الحياة».
في اليوم التالي، استيقظت سارة وهي أكثر ضعفاً، فقد أخذ العلاج منها كل مأخذ. طلب نعمان إذن استثنائياً لنقلها إلى المنزل لتقضي أيامها الأخيرة بين ابنتها ومحبيها بدلاً من جدران المستشفى الباردة. جهزت مريم سريراً طبياً وأجهزة أكسجين ورعاية على مدار الساعة.
كان نعمان يمر عليهم كل بعد ظهر، يحدث سارة عن العمل وعن تفاصيل الحياة البسيطة. كانت تبتسم وتضحك بصوت خفيض جداً، لكن ابتسامتها كانت تملأ المكان دفئاً.
في إحدى الليالي، أخرج نعمان علبة صغيرة كان قد أخذها من دينا قبل رحيلها؛ كان فيها رسالة قديمة اصفرت أوراقها من أم ليان الحقيقية:
«لا أستطيع الاحتفاظ بكِ، فلا أملك ما أعينكِ به على الحياة… لكنني آمل أن يمنحكِ من يجدكِ الحب والرعاية اللذين عجزتُ عن تقديمها لكِ… أنا أسفة».
حدقت ليان في الورقة، فسألها نعمان: «هل تريدين معرفة من كانت؟»
هزت رأسها بالرفض وقالت: «لا أحتاج لذلك، فأنا أعرف بالفعل من هي أمي… وهي مستلقية في تلك الغرفة هناك».
في أحد الأيام، طلبت سارة التحدث مع نعمان بمفردهما.
قالت له: «شكراً لك على كل ما فعلته… من أجلي، وبشكل خاص من أجل ليان».
«لا داعي لشكركِ يا سارة، لم أفعل سوى الواجب».
«بل هناك الكثير… لقد ظهرت في حياتنا عندما لم يكن هناك أحد».
أمسكت بيده وتابعت: «أطلب منك شيئاً واحداً… إذا حدث لي أي شيء، لا تدع ليان تظل بمفردها أبداً».
رد عليها بصوت ممتلئ بالصدق: «لن تكون بمفردها أبداً… أعدكِ».
قالت: «أنا أستأمنك عليها…».
كانت تلك آخر الكلمات التي دارت بينهما. وفي تلك الليلة، فاضت روح سارة بسلام أثناء نومها، دون ألم أو معاناة.
اقتربت ليان من جانب أمها، قبّلت جبهتها وهمست: «شكراً لكِ يا أمي». لم تصرخ، ولم تنفجر بالبكاء، بل أسندت رأسها على صدر أمها وكأنها لا تزال تستمع إلى نبضات قلبها.
كانت مراسم العزاء بسيطة وحميمة؛ حضرها نعمان، ومريم، والعجوز أم سمير، وأم أحمد (السيدة الخياطة)، والممرضة التي كانت تهتم بهما في المستشفى.
لم تُرِد ليان وضع الزهور على القبر، بل وضعت رسالة مطوية في كفن والدتها كتب فيها:
«كل شيء سيكون بخير يا أمي… الآن جاء دوري لأرعاكِ وأراقبكِ من هنا».
مرت الأشهر… اختفت دينا، وقيل إنها انتقلت إلى مكان بعيد، ولم يسأل نعمان عنها قط. استمرت ليان في دراستها ومدرستها، بينما أنهى نعمان المعاملات القانونية ليصبح وصيها الشرعي ورعايتها رسمياً. لم يكن الأمر سهلاً، لكن بعد كل ما مروا به، لم تكن هناك نهاية أصلح من هذه.
وفي أحد الأيام، أثناء تنظيف خزانة سارة، وجدت ليان صندوقاً مخبأً بعناية؛ فيه رسوماتها القديمة، ومناديل مطرزة، وأول رسالة كتبتها لأمها في الروضة… وتحت كل ذلك، وجدّت مظروفاً مغلقاً يحمل اسمها بخط يد أمها:
«ليان… لم تكتوبي ابنتي بالدم قط، لكنكِ كنتِ أعظم حب في حياتي. شكراً لأنكِ أنقذتِني. الآن جاء دوركِ لتطيري وتدخلي الحياة، وجاء دوره ليرعاكِ كما كنتُ أفعل تماماً. لا تدعي أحداً يطفئ نوركِ أبداً».
طوت ليان الرسالة بحذر وخرجت إلى الفناء الخلفي حيث كان نعمان يعتني بالأشجار.
سألته باعتزاز: «هل ستعلمني كيف أقود؟»
نظر إليها مستغرباً وابتسم: «أقود ماذا؟»
أجابت وهي تبتسم: «كيف أقود الحياة!».
وضحك الاثنان معاً… لأنهما رغم كل المآسي والصعاب، كانا لا يزالان هنا، يواصلان الحياة معاً، وكان ذلك أكثر من كافٍ..
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




