
كانت جناح العروس في الفندق الفاخر المطل على أرقى أحياء الرياض يفوح برائحة الفل، والعطر الفاخر، والترقب الثمين. في الأسفل، احتشد أكثر من خمسمائة ضيف داخل قاعة أفراح أسطورية تُعدّ الأغلى في العاصمة. رجال أعمال، وزراء سابقون، نجمات مجتمع، ومصورون، وأقارب تذكروا فجأة أنهم يحبونني! وكان الجميع بانتظار طلتي.
كلف حفل زفافي من “فيصل آل ناصر” عشرات الملايين من الريالات.
كانت أمي تكرر هذا الرقم طوال اليوم وكأنه بركة وتحديث حازم في نفس الوقت:
“أميرة، أرجوكِ لا تفسدي هذا اليوم.. عائلة آل ناصر ليست مجرد عائلة عادية، واليوم ليس ملكاً لكِ وحدكِ.”
لم يكن أي يوم ملكاً لي أبداً.
على مدى ثلاثين عاماً، كانت “سارة” هي المدللة والمدللة الوحيدة للجميع.
كانت جميلة..
وصحيحة..
وناجحة..
الابنة التي تتصدر مجلات الموضة بفضل علامتها التجارية، رغم أن الجميع يعلم أن علاقات أمي ونفوذ عائلة فيصل هما من فتحا لها كل الأبواب المغلقة.
أما أنا.. فكنت الابنة الهادئة.
المسؤولة.
التي تحل المشكلات.
التي تعتذر أولاً حتى لو لم ترتكب أي خطأ.
ثم دخل السرطان حياتي..
ثمانية عشر شهراً من العلاج الكيماوي ألمّت بي، تركتني بلا شعر، بلا حواجب، مع ندوب خفيفة على صدري، وفهم مختلف تماماً لما يعنيه الموت والحياة. لقد وقفت قريباً جداً من الموت حتى سمعت أنفاسه.
ومع ذلك، في يوم زفافي، لم يكن خوف أمي الأكبر هو كل ما نجوت منه.. بل كان خوفها أن يلتقط المصورون رأسي المكشوف!
كانت الباروكة قد صُممت لي خصيصاً في لندن من شعر طبيعي ناعم. كان “فيصل” قد طلبها لي سراً، ليس لأنه يريدني أن أختبئ، بل لأنه أراد أن يمنحني حرية الاختيار في كيفية الظهور في يومنا الكبير.
كنت قد وضعتها بعناية داخل صندوق مخملي عاجي على طاولة الزينة..
وعندما فتحته…
كان فارغاً!
شهقت أمي بذهول:
“لا.. لا! أميرة، لا يمكنكِ الخروج هكذا! الصحافة بالخارج! هل لديكِ أدنى فكرة عما سيقوله الناس؟”
أجبتها ب any هدوء: “سيرونني كما أنا.. على طبيعتي.”
فنظرت إليّ وكأنني نطقت ببدعة لا تُغتفر:
“سأذهب لإحضار مدير الفندق.. لا أحد يتحرك من مكانه!”
رفعت طرف فستانها الأزرق الملكي وأسرعت خارجة من الجناح، ليعود الهدوء ويُغلق الباب خلفها.
وفجأة.. خردت ضحكة خفيفة من خلف خزانة الملابس الأثرية.
طلّت “سارة”..
كانت تبدو كالملاك بفستانها الذهبي، وحُمرتها الوردية، وتلك الابتسامة اللطيفة التي يمكنها أن تخفي وراءها قسوة لا تُتخيل.
قالت ببرود: “أنا من أخذتها.”
تجمد الهواء في الغرفة.
“ماذا فعلتِ؟”
“خبأت باروكتكِ يا أميرة.. ولن تجديها أبداً.”
خطوت نحوها خطوة، لكن ساقي شعرتا بثقل غريب.
“سارة.. إنه يوم زفافي!”
صرخت في وجهي: “بالضبط! زفافكِ من فيصل آل ناصر! هل صدقتِ حقاً أنكِ تنتمين لتلك العائلة؟”
أمسكت ذراعي وسحبتني بقوة أمام المرآة الطويلة.
تطلعتُ إلى انعكاسي..
رأسي العاري..
بشرتي الشاحبة..
الآثار الخفيفة التي تركتها غرز الإبر لا تحصى..
وفستان الزفاف الأبيض الذي يلتف بجمال حول جسد قاتل بضراوة ليبقى على قيد الحياة.
مالت “سارة” نحو أذني ولهمست بقسوة:
“هو يشعر بالشفقة تجاهكِ فقط.. الجميع يعلم ذلك. فيصل وسيم، نافذ، وثرِي.. وأنتِ لستِ سوى مشروعه الخيري الحزين! عروس صلعاء بجانب عريس أسطوري.. لو خرجتِ للناس هكذا، سيعتقد الجميع أنه تزوج امرأة مريضة بدافع الرحمة!”
تلك الكلمة الأخيرة.. **الشفقة**..
كانت أشد إيلاماً من كل إهانة وجهتها لي في حياتها.
على مدار أشهر، كانت تتستر وراء مزاحها السام: *”تبدين مرهقة”*، *”لا تقفي قريبة جداً في الصور”*، *”فيصل لديه عقدة المنقذ”*. وفي كل مرة كانت تسخر مني، كانت أمي إما تضحك، أو تغير الموضوع، أو تخبرني بأنني حساسة أكثر من اللازم.
دفعتني سارة خفيفاً نحو الباب وقالت:




