
“هيّا اطلعي.. الموسيقى بدأت بالفعل. اخرجي ودعي الجميع يرحمونكِ.. أو ابقي هنا واعترفي أنني كنت سأكون الزوجة الأنسب لفيصل!”
وفجأة.. هدأ كل شيء بداخلي.
لم يكن غضباً.. فالغضب يحرق.
كان شيئاً آخر.. بارداً.. وحاسماً.
نفْس اليقين الهادئ الذي شعرتُ به اليوم الذي أخبرني فيه طبيب الأورام أن الورم بدأ ينكمش أخيراً.
سحبتُ ذراعي من قبضتها ببطء:
“أنا لستُ مشروع شفقة لأحد.”
ابتسمت بثقة: “إذن أثبتي ذلك!”
مشيتُ بخطوات ثابتة نحو طاولة الزينة.
كانت أمي قد أصرت على أن أضع أحمر شفاه باهتاً لأن “العروس المتعافية من السرطان لا ينبغي أن تلفت الأنظار”.
أمسكتُ بمنديل إزالة المكياج..
ومسحتُ اللون الباهت ببطء..
ثم فتحت قلم أحمر الشفاه الأحمر الصارخ الذي اشتريته لنفسي سراً، ووضعته بعناية.
بعدها، خلعتُ طرحة الدانتيل.. طويتها.. ووضعتها على الطاولة.
تلاشت ابتسامة “سارة”: “ماذا تفعلين؟”
دون أن أجيبها، فتحتُ الصندوق الخشبي الفاخر الذي أرسله “فيصل” قبل ساعة.
كانت داخلة هديته لليلة العمر..
تاج أثري مرصع بالألماس الخالص، يعود لجداّته، وتقدر قيمته بأكثر من أربعين مليون ريال.
رفعتُ التاج بكلمتي يدي وقُلت:
**”لن أخفي أبداً المعركة التي خضتها لأنجو.”**
ثم وضعتُ التاج الماسي بثبات فوق رأسي المكشوف.
شحب وجه “سارة” تماماً وهي تراني أتوجه نحو الباب..
وللمرة الأولى في حياتها..
أدركت أن الإهانة التي خططت لها بدقة… لم تعد في انتظاري!
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
### **الجزء الثاني والاخير**
كانت الممرات الطويلة داخل الفندق الأسطوري هادئة على نحو يبعث في النفس الرهبة.
في كل خطوة أخطوها، كنت أسمع صدى ثوبي الفاخر يُسحب على السجاد الإيطالي الممتد، وشعرت بوزن التاج الماسي الأثري يستقر فوق رأسي المكشوف. لم يكن ثقيلاً بالمعنى المادي، بل كان أشبه بقلادة شرف، بوشاح نصر صامت أرتديه بعد أن خضت معركتي الخاصة مع الموت وخرجت منها حية.
وعند العتبة المؤدية إلى البوابات الخشبية العتيقة للقاعة الأسطورية، كانت أمي تقف برفقة مدير الفندق وعدد من منظمي الحفل. كان الاضطراب والذعر باديين على وجهها بشكل لا يمكن إخفاؤه.
عندما وقعت عيناها عليّ، اتسعت حدقتاها بذهول قاتل. توقفت أنفاسها وهي تتأمل رأسي العاري، والتاج الماسي المتلألئ، ولون أحمر الشفاه الجريء الذي يكسو شفتي.
“أميرة!” همست بصوت مكتوم ترتعد فيه كل الحروف، وهي تقترب مني بفرائص ترتعد: “ماذا تفعلين؟ أين الباروكة؟ يا إلهي.. ما هذا الذي تضعينه على رأسك؟ هل فقدتِ عقلكِ تماماً؟”
أمسكتُ بيديها اللتين كانتا ترتجفان برودة، ونظرتُ في عمق عينيها بثبات ووضوح لم تعهدهما مني طوال ثلاثين عاماً:
“أمي.. هذا هو يوم زفافي. سأدخل القاعة كما أنا بالضبط. إما أن تسيري بجانبي الآن وأنتِ مرفوعة الرأس بي، أو تتركي يدي وترحلي.”
ترددت أمي لثوانٍ بدت كأنها دهر. نظرت إلى الخلف، ورأت “سارة” تقف بعيداً عند زاوية الممر، بجه شاحب كالأموات، خالية تماماً من تلك الابتسامة الماكرة. ولأول مرة في حياتها، استوعبت أمي اللعبة الدنيئة التي حُكت في الخفاء. رفعت رأسها ببطء، وأمسكت بذراعي بضغط قوي، وظهرت في عينيها شرارة فخر لم أعتد رؤيتها من قبل:
“هيا بنا يا ابنتي.. لنبهر الجميع.”
وفي تلك اللحظة.. فُتحت الأبواب الضخمة.
انسكبت ألحان الفرقة الموسيقية داخل القاعة الفسيحة، واتجهت أنظار أكثر من خمسمائة ضيف دفعة واحدة نحو المدخل الرئيسي.
في الثواني الخمس الأولى.. ساد صمت مطبق.
توقفت الهمسات على أشفة الحاضرين، وتجمّدت حركة كؤوس المشروبات في أيدي كبار الشخصيات، وتوقفت فلاشات كاميرات المصوّرين الصحفيين. رأيت سيدات مجتمع يُغطين أواههن بأيديهن بذهول، ورجال أعمال يتوقفون عن حديثهم السياسي، وأقارب يتبادلون النظرات المشدوهة.
لكن هناك.. في منتصف القاعة، عند نهاية الممر الملكي الطويل المزين بالزهور البيضاء، كان يقف **فيصل**.
كان يبدو كأمير في بشت زفافه الأسود المذهب. لم يرمش، لم يتراجع خطوة، ولم تظهر على ملامحه أي علامة مفاجأة أو إحراج.
على العكس تماماً.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة عريضة، وتلألأت عيناه ببريق من الفخر والإعجاب جعل قلبي يخفق بشدة.
عندما بلغتُ بداية منصة الزفاف، لم ينتظرني حتى أصل إليه؛ بل نزل خطوات المنصة بمهابة، وتقدم نحو الممر ليلتقي بي في المنتصف. أخذ بيدي، ورفعها إلى شفتيه ليقبلها أمام الحضور جميعاً بكل إجلال واحترام، ثم التفت ببطء ونظر إلى القاعة الغارقة في الذهول.
تناول المايكروفون الخاص بكلمة العريس..
وفور أن رفع يده.. حدث شيء لم يتوقعه أحد.
في تلك اللحظة العاطفية الفائقة، **وقف كل ضيف من الضيوف الخمسمائة داخل القاعة على أقدامهم**. ساد صمت تام وحابِس للأنسام، بينما رفعت وسائل الإعلام والمصورون عدساتهم في انتظار ما سيقوله العريس.
ثبّت فيصل المايكروفون، وتحدث بصوت قوي، ناعم، وواثق، تردد صداه في أرجاء القاعة المصممة بأسلوب ملكي:
> *”قبل عامين، عندما التقيت بأميرة للمرة الأولى، ظننت أنني أقف أمام أجمل امرأة رأيتها في حياتي. وبعد عام واحد، عندما رأيتها تواجه أشرس معركة ضد المرض بكل هذا الكبرياء والشجاعة والصبر.. علمت حينها أنني أقف أمام أقوى امرأة عرفتها البشرية.”*
>
توقف لثوانٍ، ونظر إليّ بعيون تملؤها الدموع والصدق، قبل أن يعود ويلتفت إلى الحاضرين قائلاً:
> *”البعض هنا قد يرى في هذا التاج الماسي الأثري مجرد قطعة مجوهرات باهظة الثمن.. أما أنا، فأراه طوق نصر لا يليق إلا برأس ملكة حقيقية. أميرة لم تستعر جمالاً مستعاراً لتجلس بجانبي اليوم، بل جاءت بنصرها، بشجاعتها، وبندوبها الشريفة التي تتزين بها كالأوسمة. وما ترونه أمامكم الآن ليس عروساً تحتاج إلى شفقة أحد.. بل عروساً أتشرّف أنا، وأفخر أمام العالم أجمع، بأني أصبحتُ زوجاً لها.”*
وما إن أنهى كلمته حتى ضجت القاعة بإنفجار هائل من التصفيق الحار الذي استمر لدقائق طويلة دون توقف! وقف الوزراء، رجال الأعمال، الفنانون، وكل المدعوين، يصفقون بحرارة بينما انهمرت دموع التأثر من عيون الكثيرين.
التفتُ ببطء نحو الجزء الخلفي من القاعة..
كانت “سارة” تقف هناك بمفردها بين الزحام والتصفيق، تتضاءل انكماشاً وتنزوي خجلاً، بعد أن تحولت المؤامرة الخبيثة التي أعدتها لإهانتي أمام الملأ.. إلى أعظم لحظة تكريم وفخر شهدتها حياتي.
ابتسمتُ بثبات، وضغطتُ على يد فيصل بقوة، ونحن نخطو أولى خطواتنا معاً نحو رحلتنا الجديدة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




