روايات وققص

الأرض

لكنه كان يمتلك شيئاً لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه.

الأرض.

في تلك الليلة بالذات، قرر أن يثبت للجميع أنهم كانوا على خطأ حيال قدره.

ومع ذلك، عند الفجر، وبينما كان يبدأ في إعداد الأرض، ظهر ظل خلف السور.

كان الحاج متولي.

وهذه المرة لم يكن آتياً ليطرده.

كان قادماً لأنه اكتشف شيئاً عن ممدوح قد يغير كل شيء.

ماذا تفعل لو تخلى عنك الجميع في الوقت الذي تحتاج فيه إلى المساعدة؟ شاركنا رأيك في التعليقات ولا تفوت الأحداث القادمة في الجزء الثاني

رجل من الريف تتركه زوجته بعد فقدان عمله — لكنها لم تتوقع هذه التحولة

[الجزء الأول]

في اليوم الذي فقد فيه ممدوح عمله ورأى زوجته تخرج من البيت وحقيبتها في يدها، فهم ان بعض البشر لا يبقون إلا عندما تكون الحياة سهلة.

في قرية صغيرة، حيث كانت الأرض الجافة تحفظ أسرار من يفلحونها، كان محمود، المعروف بين الجميع باسم ممدوح، يعيش منذ 32 عاما يعتمد على دراعيه. لم ينل قسطا من التعليم، وكان يا كاد يقرأ كلمات قليلة، لكنه كان يعرف متى ستمطر، ومتى تحتاج الأرض إلى الراحة، وأين تتوافر أفضل الفرص لنمو البذرة.

على مدار 10 سنوات، عمل في مزرعة الحاج متولي، وهو رجل غني وله هيبته بين الناس، لكن الكثيرين كانوا يخشون بطشه. كان ممدوح يتحمل أوامره وسخريته وإهاناته المستمرة لأنه كان بحاجة إلى سد رمق أسرته.

عرق جبينه لم يكن يثقله يوما، بل كانت الكلمات هي ما تؤلمه حقا.

— أنت شاطر في شيل الشكائر، لكن التفكير مش بتاعك — كان الحاج متولي يكررها أمامه وأمام بقية العمال.

كان ممدوح ينكس رأسه، ويضغط على أسنانه، ويواصل عمله. ليس ضعفا منه، بل لأن لديه سببا يجعله يتحمل: زوجته مرفت.

لكن مرفت لم تقبل يوما بهذه الحياة البسيطة. ومنذ سنوات وهي تنظر إلى البيت الصغير المبني من الخشب والصاج وكأنه سجن.

— يا ممدوح، أنا لم أخلق لأعيش في الجوع طول حياتي.

— بكرة تفرج يا مرفت، الأرض عمرها ما تتخلى عن اللي يخدمها.

— بتقول كده لأنك مش عارف حاجة تانية، أنا عايزة عيشة مختلفة.

كان يحبها لدرجة أنه لم يرد أن يصدق أن تلك المرأة بدأت تخجل منه.

وجاءت المصيبة في صباح أحد الأيام عندما اتهمه الحاج متولي بإضاعة بعض أدوات المزرعة. كان ممدوح يعلم أن هذا غير صحيح، لكنه كان يعلم أيضا أن أحدا لن يصدقه.

— أنت مطرود، أنا تعبت من الإنفاق على رجل لا يعرف سوى تشغيل دراعاته.

— يا حاج متولي، أنا اشتغلت هنا كل السنين دي، وأنت عارف إني عمري ما سرقت حاجة.

— امشي من هنا قبل ما أخلي العمال يطردوك بالضرب.

عاد ممدوح إلى البيت وشخصه زائغ. كان يظن أنه سيجد على الأقل مساندة مرفت. لكن عندما فتح الباب، وجد حقيبة موضوعة على الطاولة.

كانت قد اتخذت قرارها بالفعل.

— أنا ماشية يا ممدوح.

وقف مكانه لا يتحرك.

— رايحة فين؟

— أدور على عيشة أرحم، مش هقدر أفضل مستنية يمكن حاجة تتغير.

— بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟

تجنبت مرفت النظر في عينيه.

— مش عايزة أعيش في الفقر، أنت راجل طيب، بس الراجل الطيب اللي من غير فلوس بيفضل فقير.

كانت تلك الكلمات أشد إيلاما من أي ضربة.

أمسكت بالحقيبة ومشت نحو الباب.

— يا رب تفهم في يوم من الأيام إن الحب مش بيفتح بيوت ولا بيدفع فواتير.

انغلق الباب الحديدي وبقي ممدوح وحده.

بدا البيت أكبر بكثير بدونها. وعلى الحائط فارق المكان الذي كانت تعلق فيه صورتهما معاً، حتى تلك الصورة أخذتها معها.

ظل جالسا لعدة ساعات ينظر إلى الأرض الترابية.

الحاج متولي حرمه من مصدر رزقه.

ومرفت حرمته من الأمل.

لكن مع حلول الليل، تغير شيء ما في داخله.

نظر من النافسة إلى قطعة الأرض الصغيرة المهملة خلف البيت. كانت أرضا لا قيمة لها في نظر أحد، قطعة منسية سمح له صاحب العمل باستخدامها منذ سنوات.

لمس ممدوح التربة بيده.

كان يعرف هذه الأرض أكثر من أي شخص آخر.

يعرف أين يوجد الماء، ويعرف أين يمكن للنبتة أن تقاوم وتحيا، ويعرف أن البذرة الصغيرة يمكن أن تتحول إلى شيء عظيم.

— أخذوا مني كل ما ظننت أني بحاجة إليه… لكن ما زالت لدي يداي.

في اليوم التالي، أخذ أداة عمله الوحيدة ذات القيمة، وهي مجرفة قديمة كانت لأبيه، إلى دكان العم إبراهيم ليحصل على بعض الطعام.

نظر العم إبراهيم إلى المجرفة بأسى.

— يا ممدوح، دي مجرفة أباك.

— عارف، بس محتاج دقيق وفول وأي حاجة أبدأ بيها.

— ومرفت؟

أطرق ممدوح رأسه.

— مشيت.

كان الخبر قد انتشر في القرية بالفعل.

تنهد العم إبراهيم.

— أقدر أأمنلك شغل في تنظيف حوض المية، بس عايزك تفهم حاجة: المجرفة دي قيمتها أكبر من الأكل اللي بتطلبه.

— مش عايز أخسرها يا عم إبراهيم، دي الحكاية الوحيدة اللي بتفكرني أنا مين.

بعد إتمام عمل شاق تحت أشعة الشمس، استرد ممدوح أداة أبيه. لكنه فهم شيئاً مهما: لم يعد بإمكانه الاستمرار في مقايضة جهده مقابل قروش قليلة.

كان بحاجة إلى بناء شيء يخصه.

عندما عاد إلى بيته، نظر إلى قطعة الأرض الصغيرة تلك.

لا يملك مالا.

لا ترافقه زوجة.

لا يسانده أحد.

لكنه كان يمتلك شيئاً لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه.

الأرض.

في تلك الليلة بالذات، قرر أن يثبت للجميع أنهم كانوا على خطأ حيال قدره.

ومع ذلك، عند الفجر، وبينما كان يبدأ في إعداد الأرض، ظهر ظل خلف السور.

كان الحاج متولي.

وهذه المرة لم يكن آتياً ليطرده.

كان قادماً لأنه اكتشف شيئاً عن ممدوح قد يغير كل شيء.

[الجزء الثاني]

وصل الحاج متولي ممتطيا حصانه الأسود، يرافقه حارس مزرعته. عرف ممدوح تلك النظرة الاستعلائية التي طالما تحمّلها لسنوات.

— انظروا من هنا… الرجل الذي لا يصلح لشيء ما زال قابضاً على مكانه.

واصل ممدوح ترتيب الحجارة لتحويل مجرى نبع ماء صغير.

— صباح الخير يا حاج متولي.

— ألن تسألني لماذا جئت؟

— إن كنت جئت لتطالبني بشيء فليس معي مال، وإن جئت لمضايقتي فأنا مشغول بعملي.

أطلق الحاج ضحكة باردة:

— ما زلت برأس يابسة كما أنت.

نظر الحاج متولي إلى الأرض وقال:

— ماذا تنوي أن تفعل هنا؟ هل تزرع الكبرياء؟

— أنوي أن أزرع طعاماً.

— بلا بذور، وبلا مال، وبلا معرفة. لا تملك سوى مجرفة قديمة.

آلمته الكلمات، لكن ممدوح لم يرد.

حينها أطلق الحاج جملة جعلته يتوقف عن العمل:

— مرفت كانت على حق عندما تركتك، لقد فهمت شيئاً لا تريد استيعابه: القوة وحدها لا تكفي.

ضغط ممدوح على المجرفة وقال:

— قد لا أملك المال، لكن كلمتي لم تخذل أحداً يوماً.

ابتسم الحاج ابتسامة خفيفة:

— هذا هو الشيء الوحيد الذي كنت واثقاً منه فيك.

ثم انصرف دون أن يزيد كلمة.

لم يفهم ممدوح سر تلك الزيارة، لكنه قرر التركيز على تدبر البذور. توجه إلى الشيخ حمزة إمام المسجد، الذي كان يعلم بحاله.

أعطاه الشيخ خطاماً ورسالة إلى رجل يدعى صلاح، وهو تاجر يبيع بذوراً قوية التحمل.

بهذه المساعدة حصل ممدوح على كمية صغيرة من بذور الذرة الممتازة. لم تكن كثيرة، لكنها كانت فرصة.

على مدار أسابيع عمل بلا استراحة؛ في النهار يجهز الأرض، وفي الليل يرعى الشتلات الصغيرة التي بدأت تخرج من التربة.

نبتت الذرة قوية، لكن الحرارة اشتدت وقل الماء.

وفي لحظة يأس، اتخذ ممدوح قراراً خاطئاً.

في إحدى الليالي حفر قناة صغيرة لسحب جزيء من ماء حوض الحاج متولي نحو محصوله.

لم يكن يريد السرقة، بل أراد إنقاذ زرعه، لكنه كان يعلم أنه يتجاوز الحدود.

بعد يومين، ظهر الحاج متولي.

هذه المرة لم يصرخ، وكان ذلك أشد خطورة.

نظر إلى الخضرة ثم إلى القناة الصغيرة:

— ذرة جميلة يا ممدوح.

توقف قلب ممدوح وقال:

— تعبت كثيراً لأصل إلى هذا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى