روايات وققص

الأرض

رجل من الريف تتركه زوجته بعد فقدان عمله — لكنها لم تتوقع هذه التحولة في اليوم الذي فقد فيه ممدوح عمله ورأى زوجته تخرج من البيت وحقيبتها في يدها، فهم ان بعض البشر لا يبقون إلا عندما تكون الحياة سهلة.

 

في قرية صغيرة، حيث كانت الأرض الجافة تحفظ أسرار من يفلحونها، كان محمود، المعروف بين الجميع باسم ممدوح، يعيش منذ 32 عاما يعتمد على دراعيه. لم ينل قسطا من التعليم، وكان يا كاد يقرأ كلمات قليلة، لكنه كان يعرف متى ستمطر، ومتى تحتاج الأرض إلى الراحة، وأين تتوافر أفضل الفرص لنمو البذرة.

على مدار 10 سنوات، عمل في مزرعة الحاج متولي، وهو رجل غني وله هيبته بين الناس، لكن الكثيرين كانوا يخشون بطشه. كان ممدوح يتحمل أوامره وسخريته وإهاناته المستمرة لأنه كان بحاجة إلى سد رمق أسرته.

عرق جبينه لم يكن يثقله يوما، بل كانت الكلمات هي ما تؤلمه حقا.

— أنت شاطر في شيل الشكائر، لكن التفكير مش بتاعك — كان الحاج متولي يكررها أمامه وأمام بقية العمال.

كان ممدوح ينكس رأسه، ويضغط على أسنانه، ويواصل عمله. ليس ضعفا منه، بل لأن لديه سببا يجعله يتحمل: زوجته مرفت.

لكن مرفت لم تقبل يوما بهذه الحياة البسيطة. ومنذ سنوات وهي تنظر إلى البيت الصغير المبني من الخشب والصاج وكأنه سجن.

— يا ممدوح، أنا لم أخلق لأعيش في الجوع طول حياتي.

— بكرة تفرج يا مرفت، الأرض عمرها ما تتخلى عن اللي يخدمها.

— بتقول كده لأنك مش عارف حاجة تانية، أنا عايزة عيشة مختلفة.

كان يحبها لدرجة أنه لم يرد أن يصدق أن تلك المرأة بدأت تخجل منه.

وجاءت المصيبة في صباح أحد الأيام عندما اتهمه الحاج متولي بإضاعة بعض أدوات المزرعة. كان ممدوح يعلم أن هذا غير صحيح، لكنه كان يعلم أيضا أن أحدا لن يصدقه.

— أنت مطرود، أنا تعبت من الإنفاق على رجل لا يعرف سوى تشغيل دراعاته.

— يا حاج متولي، أنا اشتغلت هنا كل السنين دي، وأنت عارف إني عمري ما سرقت حاجة.

— امشي من هنا قبل ما أخلي العمال يطردوك بالضرب.

عاد ممدوح إلى البيت وشخصه زائغ. كان يظن أنه سيجد على الأقل مساندة مرفت. لكن عندما فتح الباب، وجد حقيبة موضوعة على الطاولة.

كانت قد اتخذت قرارها بالفعل.

— أنا ماشية يا ممدوح.

وقف مكانه لا يتحرك.

— رايحة فين؟

— أدور على عيشة أرحم، مش هقدر أفضل مستنية يمكن حاجة تتغير.

— بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟

تجنبت مرفت النظر في عينيه.

— مش عايزة أعيش في الفقر، أنت راجل طيب، بس الراجل الطيب اللي من غير فلوس بيفضل فقير.

كانت تلك الكلمات أشد إيلاما من أي ضربة.

أمسكت بالحقيبة ومشت نحو الباب.

— يا رب تفهم في يوم من الأيام إن الحب مش بيفتح بيوت ولا بيدفع فواتير.

انغلق الباب الحديدي وبقي ممدوح وحده.

بدا البيت أكبر بكثير بدونها. وعلى الحائط فارق المكان الذي كانت تعلق فيه صورتهما معاً، حتى تلك الصورة أخذتها معها.

ظل جالسا لعدة ساعات ينظر إلى الأرض الترابية.

الحاج متولي حرمه من مصدر رزقه.

ومرفت حرمته من الأمل.

لكن مع حلول الليل، تغير شيء ما في داخله.

نظر من النافسة إلى قطعة الأرض الصغيرة المهملة خلف البيت. كانت أرضا لا قيمة لها في نظر أحد، قطعة منسية سمح له صاحب العمل باستخدامها منذ سنوات.

لمس ممدوح التربة بيده.

كان يعرف هذه الأرض أكثر من أي شخص آخر.

يعرف أين يوجد الماء، ويعرف أين يمكن للنبتة أن تقاوم وتحيا، ويعرف أن البذرة الصغيرة يمكن أن تتحول إلى شيء عظيم.

— أخذوا مني كل ما ظننت أني بحاجة إليه… لكن ما زالت لدي يداي.

في اليوم التالي، أخذ أداة عمله الوحيدة ذات القيمة، وهي مجرفة قديمة كانت لأبيه، إلى دكان العم إبراهيم ليحصل على بعض الطعام.

نظر العم إبراهيم إلى المجرفة بأسى.

— يا ممدوح، دي مجرفة أباك.

— عارف، بس محتاج دقيق وفول وأي حاجة أبدأ بيها.

— ومرفت؟

أطرق ممدوح رأسه.

— مشيت.

كان الخبر قد انتشر في القرية بالفعل.

تنهد العم إبراهيم.

— أقدر أأمنلك شغل في تنظيف حوض المية، بس عايزك تفهم حاجة: المجرفة دي قيمتها أكبر من الأكل اللي بتطلبه.

— مش عايز أخسرها يا عم إبراهيم، دي الحكاية الوحيدة اللي بتفكرني أنا مين.

بعد إتمام عمل شاق تحت أشعة الشمس، استرد ممدوح أداة أبيه. لكنه فهم شيئاً مهما: لم يعد بإمكانه الاستمرار في مقايضة جهده مقابل قروش قليلة.

كان بحاجة إلى بناء شيء يخصه.

عندما عاد إلى بيته، نظر إلى قطعة الأرض الصغيرة تلك.

لا يملك مالا.

لا ترافقه زوجة.

لا يسانده أحد.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى