روايات وققص

خطيبي أعلن خطبته – محمد نور

اليوم الذي أعلن فيه خطيبي خطبته على امرأة أخرى، كشفتُ أمام المستشفى بأكمله عن هويتي الحقيقية

​على مدار خمس سنوات، ظنّ الجميع في المستشفى أنني مجرد فتاة بسيطة وحالتي على قد الحال، حظيت بفرصة الفوز بقلب أشهر وأكثر أطباء المدينة وسامةً وجاذبية.

​وفي يوم إعلان خطبته من امرأة أخرى، اكتشفتُ أن خطيبي كان يعتقد ذلك أيضاً!

​لكن ما لم يعلمه أحد، هو أنني الابنة والوريثة الوحيدة لأكثر العائلات نفوذاً وثراءً في البلاد.

​اسمي الحقيقي هو ريم آل جاسم.

​كانت عائلتنا تمتلك سلسلة من المستشفيات، ومختبرات الأدوية، والمؤسسات الطبية، وشبكة استثمارات ممتدة في أرجاء البلاد. كان اسم عائلتي كفيلاً بفتح أبوابٍ مغلقة لا تجرؤ حتى بعض عائلات الأثرياء على الاقتراب منها.

​لكنني في سن الرابعة والعشرين، أردتُ أن أثبت ذاتي بعيداً عن أموال والدي وسلطته.

​أخفيتُ هويتي الحقيقية، وغادرتُ العاصمة، وانتقلتُ بمفردي إلى مدينة أخرى لا يعرف فيها أحدٌ أصل عائلتي. وهناك حصلتُ على عمل كطبيبة جراحة مقيمة في “مستشفى السلام”.

​وهناك بالذات… التقت عيناي بالدكتور عادل.

​كان أصغر رئيس لقسم الجراحة في تاريخ المستشفى؛ عبقرياً، هادئاً، ومحل إعجاب الجميع.

​أول مرة رأيته فيها تحت أضواء غرفة العمليات، وهو يوجه الفريق الطبي بكل ثبات ليُنقذ حياة مريض، وقعتُ في حبه.

​استمرت فترة ارتباطنا وخطبتنا غير الرسمية خمس سنوات كاملة.

​داخل أروقة المستشفى، كان “عادل” رئيسي في العمل.

​وخارجه، كان الرجل الذي يحرص على الاطمئنان عليّ كل صباح، ويحفظ مواعيد مناوباتي عن ظهر قلب، ويدعمني بكلماته الداعمة في كل مرة تنتهي فيها جراحةٌ بنهاية مؤلمة.

​كان يغمرني باهتمامه في كل شيء تقريباً…

​إلا في أمرٍ واحد.

​لم يرضَ أبداً أن يتقدم لرؤية عائلتي أو يقدم لي عائلته بشكل رسمي.

​في بداية الأمر، ظننتُ أنه يحتاج إلى بعض الوقت ليبني مستقبله، ثم أقنعتُ نفسي بأن عائلة “آل زيد” عائلة متمسكة بالتقاليد وتطلب ترتيبات خاصة.

​لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة بكثير.

​في نظرهم، لم أكن أستحقهم.

​كانت عائلة “آل زيد” سلالة طبية عريقة ومحترمة بالمدينة؛ أنجبت عمداء كليات، وجراحين، وباحثين، ومدراء مستشفيات عبر أجيال متعاقبة.

​أما أنا، وفي أعينهم جميعاً، فما كنتُ سوى “ريم”، فتاةٌ قادمة من بلدة نائية بلا أصلٍ أو ثروة.

​كانت الشائعات تطاردني في الممرات؛ يقولون إنني ارتقيتُ في عملي بفضل عادل، وإنني أطمع في ماله ومكانته، وإن اليوم سيأتي حتماً حين يملّ من لعب دور “المنقذ” ليتمكّن من الزواج بامرأة من مستواه الاجتماعي.

​تحملتُ كل تلك الهمسات السخيفة لأنني أحببته بصدق.

​حتى أنني اتخذت قراراً بكشف الحقيقة له عن أصلي ونسبي.

​جهّزت الوثائق، الصور، والخاتم الذي يحمل شعار عائلة “آل جاسم”. كنتُ أخطط لأشرح له أنني لم أكن بحاجة لنسبه يوماً، وأنه إذا أراد الزواج بي، فيمكنه فعل ذلك دون أن يخشى الفوارق الطبقية.

​لكن في ذلك اليوم… اختفى عادل.

​لم يردّ على اتصالاتي، ولم يقرأ رسائلي، ولم يُجب على رسائل التذكير بموعدنا.

​تسلل القلق إلى قلبي، فذهبتُ للبحث عنه في مكتبه بالمستشفى.

​لم يكن هناك.

​وعلى مكتبه، لفتت انتباهي حافظة أوراق عاجية اللون فاخرة.

​ظننتها ملفاً لمريض، لكن حين فتحتها، وجدتُ قائمة مدعوين لحفل.

​وفوق القائمة تتصدر كلمتان:

​حفل خطوبة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى