
لدرجة إنه ماخدش باله إن المحامي كان ساكت بشكل غريب.
ولا إن موظفة الاستقبال الكبيرة في السن كانت باصة له بنظرة
كأنها شافت واحد رمى مفتاح بيته بإيده.
تاني يوم الصبح
كريم وصل الشركة بدري.
كان متوقع يحس بخفة.
لكن أول ما دخل
حس إن فيه حاجة غلط.
مش غلط بصوت عالي.
غلط هادي.
كأن المكان مستني حد يقول الحقيقة.
باب مكتب سارة
كان مفتوح.
وده لوحده وقفه.
عمرها ما كانت بتقفله تمامًا.
كان الموظفين داخلين خارجين طول اليوم
يسألوها.
يحكولها مشاكلهم.
يطلبوا حلول.
الحاجات اللي كريم كان بيسميها تفاهات
لحد ما توصل عنده وتتحول لكوارث.
دلوقتي
المكتب فاضي.
الصورة اللي كانت في أول افتتاح للشركة اختفت.
المج اللي مكتوب عليه
قهوة قوية وحدود أقوى.
اختفى.
حتى النبتة الصغيرة اللي جنب الشباك
ما بقتش موجودة.
وسابت مكانها علامة تراب واضحة.
مايا دخلت وراه.
وقالت
شكلها خدت كل حاجة.
ابتسم كريم ابتسامة مصطنعة.
وقال
أحسن وفرت علينا الشغل.
وفجأة
شاف ورقة لازقة على شاشة الكمبيوتر.
كل اللي طلبته بقى بتاعك.
شدها وكرمشها.
وفي اللحظة دي
ظهرت الأستاذة منى، أقدم موظفة في الشركة.
كانت شغالة معاهم من أول يوم.
ست ذكية
وشافت مديرين كتير ييجوا ويمشوا.
بصت على المكتب الفاضي.
وبعدين بصت لكريم.
وقالت بهدوء
صباح الخير يا كريم.
رد
النهارده هنبدأ صفحة جديدة.
بصتله ثانيتين.
وقالت
وهتبدأها مع مين؟
كان الهواء ساكناً في ذلك الشارع الضيق، وكأن الزمن نفسه توقف. الجيران تجمعوا ببطء، أعينهم مثبتة على الورقة التي أمسكها يوسف بيديه المرتعشتين، وكأنها تحمل سراً قادراً على هز عروش الجبال. أما أنا، حسن، فكنت لا أزال جالساً على مقعدي الخشبي القديم، قلبي يدق لم أعرفه حتى في أصعب أيام الفقر والجوع. كنت أعلم أن هناك شيئاً ما يختبئ وراء تلك البطانية، شيئاً لم أجرؤ يوماً على البحث عنه، خوفاً من أن يغير حياتنا الهادئة التي بنيناها معاً لبنة لبنة.
رفع يوسف رأسه، ونظر إليّ نظرة دافئة، نظرة الابن الذي يعرف قيمة ما يملك، ثم الټفت إلى الحشد الذي تجمد في مكانه، وقال بصوت واضح، يسمعه كل من يقف حوله
قبل أن أقرأ ما في هذه الورقة، أريدكم أن تعرفوا شيئاً واحداً بغض النظر عما ستكشفه هذه الكلمات، لن يتغير شيء في قلبي. الرجل الذي رباني، وشاركني خبزه الفقير، وسهر عليّ في ليالي ، وحرم نفسه من كل شيء لأعيش أنا، هو والدي الوحيد. والدي الذي جرى في عروقي، والدي بالحب الذي لا يُقاس بأي نسب أو أصل.
ساد صمت أعمق من الصمت السابق، حتى أن تنفس الناس أصبح مسموعاً. فتحت أمينة فمها لتتكلم، لكنها أغلقته فوراً عندما رأت نظرة يوسف الحازمة، نظرة لم تعرفها منه من قبل، وكأنها نظرة رجل تحمل مسؤولية ثقيلة لسنوات طويلة.




