عام

رد المـظالم

— يا حاجة إلهام، إحنا في مستشفى.. ده مش مكان للكلام ده.
الحموات السابقة ابتسمت بـ لؤم:
— لأ مكان ونص.. مش ده المكان اللي بتقضي فيه طول اليوم تعملي نفسك خبيرة في الخلفة والأمومة؟ قولت آجي أوريكي الستات بجد بتعمل إيه.
فجأة، صوت راجل طلع من ورا نادية:
— وهو حضرتك متأكدة إن ابنك حكاكِ القصة كاملة؟
مكانش زعيق.
كان أوحش.. جملة هادية، واثقة، ومظبوطة بالمسطرة.
الكل لف وراه.
الدكتور كريم رأفت، رئيس قسم المسالك البولية والذكورة والعقم بالمنظار. كان ماشي ناحية نادية وبالطو الدكتور مفتوح، والكارنيه بتاعه باين من جيب القميص. دكتور تقيل، معروف في المستشفى كلها بـ هيبته وإنه ملوش في القيل والقال ومشاكل الناس.

عشان كده، ظهوره في اللحظة دي جمد الدم في العروق.
كريم وقف جنب نادية.
وقدام عين الحاجة إلهام، مسك إيد نادية براحة.
مش كـ زميل.. كـ راجل بيحمي ست تخصه.
وش الحاجة إلهام اتقلب.
عنيها نزلت ببطء لبطن نادية، اللي كانت بدأت تبان فيها تدويرة خفيفة جداً من تحت البالطو الأبيض.
الضحكة اتمحت من على وشها.
وقالت بـ صدمة:
— لأ.. مش ممكن! ده مستحيل!
كريم بص لها من غير ما يرمش:
— المستحيل فعلاً إننا نسيبك تكملي إهانة فيها بناءً على كدبة.
الحاجة إلهام رجعت خطوة لورا:
— ابني قالي إنها مابتخلفش!
كريم رد بكل برود:
— ابنك كداب.
السكوت في الصالة بقى تقيل لدرجة تخنق. كريم حط إيده ورا ضهر نادية بحنية يسندها وكمل:

— من سنتين، شريف الكاشف شرفني في عيادتي هنا في المستشفى. وطلب فحوصات عقم كاملة.. وطلب مني شخصياً إن الموضوع يفضل سر للمقابر.
الحاجة إلهام وشها بقى أصفر زي الليمونة:
— اسكت.. متكملش!
— لأ هكمل —كريم رد بقوة— حضرتك جيتي تهيني دكتورة محترمة في مكان أكل عيشها ووسط زمايلها.. يبقى تسمعي بقى اللي ابنك مكانش راجل كفاية عشان يقولهولك!

في اللحظة دي، الباب الإلكتروني بتاع المستشفى اتفتح بسرعة.
شريف دخل بيجري، عرقان، نفسه مقطوع، وقميصه متبهدل ومش مقفول صح.
أول ما شاف أمه، وعربية الأطفال، ونادية وكريم واقفين ماسكين إيد بعض.. وقف في مكانه كأنه خبط في حيطة سد.
وقال وهو بينهج:
— أمي!.. أنا مش قولتلك مَتعمليش كدا ومتجيش هنا؟!
الحاجة إلهام لفت له وعنيها بتطلع شرار:
— شريف!.. إيه اللي الدكاترة دول بيقولوه ده؟!
شريف ما نطقش ولا كلمة.

بص لـ كريم برعب وكسرة عين..
وفي لحظة السكوت دي، كل اللي واقفين في المستشفى فهموا إن فيه سر كبير ووسخ كان مستخبي.. ودلوقتي حالا هيطلع للنور.
الفصل الثاني: الستر لما يتفضح
شريف كان واقف في نص صالة المستشفى كأنه تمثال شمع سايح. العرق ينزل من جبهته يبل لياقة قميصه، وعينيه بتتحرك برعب بين أمه اللي وشها اتقلب ألوان، وبين نادية اللي كانت واقفة ساندا ضهرها على مكتب الاستقبال، وإيد الدكتور كريم لسه محاوطاها بحنية، كأنه بيقفل في وش الدنيا كل أبواب الخوف.

الناس في الصالة مكانتش بتتنفس. ممرضة الاستقبال سحبت نفس كتمته جوة صدرها، والعيال التوأم اللي في العربية بدأ واحد منهم يزن زنة خفيفة، بس مفيش حد من الكبار اتهز عشان يطبطب عليه. كل الأنظار كانت متثبتة على شريف، المستنيين الكلمة اللي هتنزل زي السكينة تخلص المولد ده.
الحاجة إلهام قربت من شريف بخطوات سريعة، كعب جزمتها بيخبط في الأرض زي دقات ساعة القيامة. مسكته من دراعه وجزت على سنانها بصوت مكتوم بس الكل سمعه:

— انطق يا شريف! واقف زي الويبة كده ليه؟ رد على الدكتور ده.. قوله إنه مخرف! قوله إن نادية هي اللي أرض بور وأنت اللي جبت الصبيان دول عشان ترفع راسي!
شريف بلع ريقه، وصوته طلع مبحوح، يدوب طالع من حنجرته:
— يا أمي.. خلينا نمشي من هنا. بلاش  في وسط المستشفى، الناس بتتفرج علينا.
— فضايح؟! —الحاجة إلهام زعقت والشرار بدأ يطلع من عينيها، ونظارة الشمس اللي كانت على وشها رفعتها فوق شعرها عشان تبان عينيها الجاحظة— الفضيحة هي السكات بتاعك ده! أنا جيت هنا عشان أكسر لعين اللي كانت فاكرة نفسها ست الدكاترة، جيت أوريها مقامها.. تقوم أنت تقف قدامها مكسور الكلمة كده؟ انطق يا واد! قول للناس دي إنك سليم!

في اللحظة دي، الدكتور كريم رأفت ساب إيد نادية براحة، وأخد خطوة واحدة لقدام. الخطوة دي كانت كفيلة تخلي شريف يرجع لورا خطوتين من الخوف. كريم كان هادي، وهدوءه ده كان مرعب أكتر من أي زعيق.
— هو مش هينطق يا حاجة —كريم قالها بنبرة باردة زي التلج— لأن شريف عارف كويس إن الفايل بتاعه لسه عندي على الكمبيوتر في العيادة، والنسخة المطبوعة منه ممضية بختم المستشفى وبتوقيعي أنا شخصياً. تحبي أقول للمستشفى كلها التحاليل كانت بتقول إيه من سنتين؟ ولا تحبي تقري بنفسك نسبة الحيوانات المنوية والضمور الكامل اللي عنده؟

الصدمة نزلت على وش الحاجة إلهام كأن حد لطشها بالقلم. بصت لابنها اللي وشه بقا أصفر زي الكركم، وعينيه في الأرض مش قادر يرفعها في عين أمه.
— شريف؟ —صوتها بدأ يترعش، والغطرسة اللي كانت داخلة بيها المستشفى بدأت تتفرفـت حتة حتة— الكلام ده صح؟ أنت.. أنت مابتخلفش؟
شريف حط إيديه الاتنين على الوش وخبا وشه، وصدره بدأ يعلو ويهبط كأنه بيموت:
— خلاص يا أمي.. خلاص يرحم أبوكي، يلا نمشي من هنا..
يال دول هيترموا لأهلها في البلد.
شريف بص لأمه برعب، ومكنش عارف إن مروة في البيت مكانتش قاعدة مستنية.. مروة كانت مجهزة مفاجأة تانية خالص لعيلة الكاشف، مفاجأة هتقلب الترابيزة على الكل وتخلي الفضيحة اللي حصلت في المستشفى مجرد تسخين للي جاي..

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى