عام

رد المـظالم

“ابني أخيرًا خلّف من ست بجد، ست بتخلف وعمرها ما كانت أرض بور!”الجملة دي نزلت زي جردل مية ساقعة على الأرضية اللامعة بتاعة مستشفى الشروق في حي الدقي. الموظفين بتوع الاستقبال، الممرضات، الدكاترة الامتياز، وحتى أهالي المرضى اللي قاعدين في الصالة، كلهم لفوا دماغهم في نفس اللحظة. الصوت كان فيه نبرة غطرسة وسمّ مش محتاج يزعق عشان يكسر اللي قدامه.
الدكتورة نادية كاردينال رفعت عينها من على دوسيه المريض اللي كانت بتراجعه على مكتب الاستقبال.
لمدة خمس سنين، كانت بتسمع نفس القسوة دي متغلفة في شكل “خوف عائلي” ونصايح حموات.

الحاجة إلهام الكاشف، حماتها السابقة، ظهرت وهي بتزق عربية بيبي مزدوجة سودا، عجلها كبير والبطاطين بتاعتها مطرزة بخيوط دهب بـ أول حروف من أسامي العيال. كانت لابسة نظارة شمس سودا، عقد لولي، وعباية استقبال شيك جداً وغالية ومفيش سبب يخليها تلبسها في مشوار مستشفى الصبح.
وهي ماشية، كانت بتبص للناس كأنها مستنية الكل يوسع لها السكة.
نادية ما اتهزتش من مكانها.

كان بقالها 6 شهور مطلقة. 6 شهور من يوم ما شريف الكاشف، جوزها السابق، أعلن في عشا عائلي في مطعم غالي في الزمالك إنه هيطلقها عشان “العيلة محتاجة امتداد واسم يكمل”. 6 شهور من يوم ما صحابهم وقرايبهم والناس في الشغل استلموا النسخة الرسمية من القصة:
“نادية شاطرة جداً كدكتورة، بس  كست بيت… ومابتخلفش”.
الحاجة إلهام لفت على كل القرايب تكرر الجملة دي وهي مبتسمة.
قربت الحاجة إلهام من مكتب الاستقبال وقالت:
— شوفوا مين هنا! الدكتورة الكبيرة.. دكتورة النساء والتوليد اللي بتولد نسوان الناس، ومش عارفة تجيب لـ ابني حتة عيل!

ممرضة صغيرة واقفة فتحت بقها بصدمة وعايزة ترد، بس نادية رفعت إيدها براحة عشان توقفها.
مكانتش عايزة فضايح.
مش خوف.. لكن تعب.
نادية قضت سنين طويلة بتدافع عن كرامتها على طرابيزات مكنش حد فيها عايز يسمع الحقيقة أصلاً.
الحاجة إلهام وطت على عربية الأطفال وظبطت الغطا على التوأم، كأنها بتعرض مجوهرات:
— اتفرجي.. الورثة الحقيقيين لعيلة الكاشف. توأم. صبيان. زي الورد. هما دول اللي ابني كان يستاهلهم من الأول.
نادية بصت على العيال.

شعرهم أسود ومجعد شوية، بشرتهم قمحية، ورموشهم طويلة. كانوا زي الملايكة.. ملهمش أي ذنب في المسرحية الرخيصة اللي الست دي عاملاها.
بس كان فيه حاجة واضحة وضوح الشمس.
العيال مفيهمش ريحة الشبه من شريف!
شريف الكاشف كان طويل، أبيضاني جداً، عنيه ملونة، وبشرته فاتحة لدرجة إنه في الصور العائلية كان بيبان منور لوحده. العيال دول مكانش فيهم ملمح واحد من ملامحه.
نادية بلعت ريقها.

مش من الوجع.. من السخرية!
سنين والحاجة إلهام بتلقح عليها كلام: “أرض بور”، “ست مش كاملة”، “مزهرية غالية ملهاش لازمة”. وفي كل عزمة رمضان أو لِمة عيلة، بعد الشاي والحلو، ييجي السؤال السخيف:
— هاه.. مش هنفرح بالوريث بقى؟
وشريف كان دايماً يفضل ساكت.
يبص في طبقه.
يغير الموضوع.
أو يقرصها من تحت التربيزة، مش عشان يواسيها، لأ.. عشان يسكتها وماتتكلمش.
الحقيقة كانت محبوسة في دوسيه طبي شريف نفسه اترجى دكاترة التحاليل يداروه ويبقى سري للغاية.
المشكلة عمرها ما كانت في نادية.
بس شريف فضل إنه يشوفها وتتهان قدام أهله، على إنه يعترف إن عيب عدم الخلف منه هو، وإن اسمه مش هيجيب الوريث اللي أمه بتطالب بيه كأنه عقد صفقة.

الحاجة إلهام كملت بتشفي:
— إيه؟ مش هتباركيلي؟ ابني بنى حياته من جديد مع بنت صغيرة، زي الأرض الخصبة، وبتعرف الأصول وعارفة مقامها كويس.
صالة المستشفى بقت هس ومفيش نفس.
ست واقفة مستنية دورها في المعمل بطلت تهز رجلها. عامل شايل مريض وقف في مكانه. دكتور أطفال امتياز ضم الفايل اللي في إيده على صدره ومتابع.
نادية خدت نفس طويل:

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى