قصص و روايات

بصيت للبنت المراهقة اللي بتطلب بقايا اكلي

لا يوجد ما يُسامح عليه.. سأبقى مديناً لكِ طوال حياتي.

بعد أيام، تحسنت حالة زينب، وقرّر حسين أن تنتقل للعيش معهم في الفيلا.. لكي لا تكون وحيدة، ولكي تظلّ قريبة من نوران.

هذا بيتكِ أيضاً قال لها أنتِ جزء من عائلتنا.

وفي صباح يوم جميل، رنّ جرس الباب.. وقفت نوران عند الباب، ورأت امرأة جميلة بملامح تشبهها جداً، وعيناها مليئتان بالدموع.

نور.. بنتي..

نوران تجمدت للحظة.. ثم ركضت نحوها، واندفعت في حضنها

ماما!

بكتا معاً طويلاً، احتضنتا بعضهما كأن كل منهما تخشى أن تفقد الأخرى مرة أخرى. وقف حسين بجانبهما، مبتسماً والدموع في عينيه.. لقد عاد شملهم أخيراً.

مرّت الأسابيع.. بدأت نوران رحلتها في التعرف على عائلتها، على تاريخها، على نفسها. كانت تمضي وقتاً مع والدتها، وتتعلم معها كل ما فاتها، وتمضي وقتاً آخر مع والدها، تتعلم منه الصمود والأمل. ومع زينب كانت تتشارك أسرارها وذكرياتها الصغيرة.

في أحد الأيام، وهي جالسة مع حسين في حديقة الفيلا، سألته

بابا.. لما كنت بتدور عليّ كل السنين دي.. كنت واثق إني عايشة؟

كنت واثق إنّي هلاقيكِ ردّ بصدق الأمل هو اللي خلّاني مستمر.. وكل يوم كنت أقول لنفسي نور في مكان ما بتنتظرني.

ابتسمت نوران

وأنا كنت مستنياك.. كنت عارفة إنّك جاي في يوم من الأيام.

أمام المحكمة، اعترف كمال بكل شيء.. خطته للاختفاء، محاولاته السيطرة على الميراث، تهديداته لزينب، وكل ما فعل. صدر الحكم بالسجن مدى الحياة. لم يبدِ أي مقاومة، وكأنه يدرك أنّ رحلته انتهت بالفشل منذ اللحظة التي خطط فيها للإضرار بأهله.

التقى حسين بأخيه مرة واحدة في السجن.. لم يتبادلا كلاماً كثيراً.

أعتذر قال كمال بصوت خافت كنت أعمى.. لم أرَ ما كان بين يديّ.

الندم يأتي متأخراً أحياناً ردّ حسين بهدوء الله يغفر لك.

خرج من السجن حاملاً معه شعوراً بالسلام.. لم يكن بحاجة للمشاعر السلبية بعد أن استعاد أغلى ما يملك.

مرّت السنين.. نوران كبرت وتألقت.. لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي تسأل عن بقايا الطعام في المطعم.. أصبحت شابة واثقة، ذكية، محبوبة من الجميع. درست الحقوق، واختارت أن تعمل في مجال حماية الأطفال المفقودين، لتكون الصوت الذي لم يكن يسمعها حين كانت هي في مكانهم.

ظلت علاقتها بزينب مميزة جداً.. كل صباح تزورها، وتحتفي بها في كل المناسبات. وفي يوم تخرجها، وقفت زينب في الصف الأول، تبكي من الفرح، وبجانبها حسين وزوجته، وعائلتها الكبيرة التي تعافت من الجراح.

في خطابها، قالت نوران

هناك أشخاص يأتون لحياتنا في اللحظات التي نكاد فيها نفقد الأمل.. لا يعرفوننا، ولا نعرفهم، لكن قلوبهم تختار أن تحمينا بلا مقابل. لهم أهدي هذا النجاح.. ولأبي الذي لم يتوقف عن البحث يوماً.. ولأمي التي انتظرت بصبر.. ولزينب التي كانت لي الملاذ حين ضاقت الدنيا.

بعد سنوات، وفي يوم ذكرى لقائهم الأول، اجتمعت العائلة في المطعم ذاته.. المكان الذي بدأت فيه القصة. جلسوا حول الطاولة الكبيرة، والجميع يبتسم.

تعرفوا.. قالت نوران أحياناً نظن أنّ الحياة انتهت في مكان.. ثم نكتشف أنّها كانت مجرد بداية في مكان آخر.

الحق دائماً يظهر في النهاية أجابت زينب بابتسامتها الهادئة.

نظرت نوران للسلسلة الفضية التي لا تزال تزين عنقها.. نفس السلسلة التي كانت المفتاح لكل شيء.

الحمد لله الذي جمعنا قال حسين بعمق ولم يحرمنا من بعضنا.

وعاشت العائلة في سلام ووئام.. كل منهم يحمل درساً تعلمه من تلك التجربة القاسية

أنّ الأمل لا يجب أن يموت أبداً.

أنّ الحب أقوى من المال والمكائد.

وأنّ العائلة الحقيقية ليست فقط من تشاركنا الدم.. بل من يبقى معنا حين يتخلى عنا الجميع.

وحتى اليوم، لو سألت أحداً عن قصة نور البدراوي.. سيقول لك بابتسامة مليئة بالإيمان

إنّ الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.. هو نفسه الذي لا يضيع الأطفال الضائعين.. ففي الوقت المناسب.. يجمعهم بأهلهم.. لتبدأ الحياة حقاً.

تمت بحمد الله

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى