
كلمات زينب وقعت في المكان كصخرة ثقيلة.. والله العظيم أنا ما سرقتهاش!
حسين تجمد مكانه، السلسلة ما زالت مرتعشة بين أصابعه، والحرفان المحفوران يلمعان كأنهما عينان تفتشان عن الحقيقة المختفية منذ 12 سنة.
ما سرقتهاش؟ سأل بصوت ثقيل بالكاد خرج من صدره يعني إيه؟ منين جبتيها إذن؟ وين كنتي فيها طوال السنين دي؟!
زينب حاولت ترفع جسدها المنهك من على السرير، سندتها نوران بسرعة، والأم العجوز مسكت إيدها بكل ضعف
أنا لقيتها.. لقيتها في يوم المولد.. في الزحمة.. كانت قاعدة تبكي لوحدها على رصيف الشارع، وما حدش معاها.. خفت عليها، خفت تترمى وتتأذى.. أخدتها وربّيتها زي بنتي.. والله ما قصدت أضرّها!
حسين خطوة خطوة اقترب من السرير، عيناه تحترقان بدموع حبستها سنين طويلة
شفتي صورتنا في التلفزيون.. صح؟ اعترفتي بده قبل كده!
زينب نزلت رأسها بندم عميق
أيوة.. بعد كام شهر من يوم ما خدتها، شفتك في البرنامج.. عرفت إنها بنتك.. كنت خايفة أردّها لك وأخسرها.. كنت وحيدة، ماليش حد.. وهي كانت نعمة نزلت عليا من السماء.. حبيتها من كل قلبي يا حسين بيه.. ما أذيتها يوماً!
وحشتيها من أبوها! من أمها! من حياتها كلها! صرخ حسين بصوت هزّ جدران الغرفة حرمتيها من اسمها ومن تاريخها! وكل ده عشان حبك أنتِ؟!
نوران وقفت بينهما، ترتجف كالورقة
بابا.. أرجوك.. ما تزعقلهاش.. هي ربّتني.. هي اللي سهرت عليا لما مرضت.. هي اللي كانت بتجوع عشان أكل أنا!
كلمة بابا نزلت على حسين كصاعقة.. تجمدت ملامحه، نظراته لانت، ونظر للبنت الواقفة قدامه بكل دهشة وارتباك
أنتِ.. بتقوليلي بابا؟
عمرها ما قالتلي مين أنا.. بس كنت دايماً حاسة إن لي حد.. وإن اسمي مش نوران قالت البنت بصوت متهدج وإن فيه مكان تاني مخصص لي.. غير المكان اللي عشت فيه.
زينب انفجرت في البكاء
عندك حق تكرهني.. عندك كل الحق.. بس لما تسمعني للآخر.. هتفهم إنّي ما كنتش الوحيدة اللي خافت.. وما كنتش الوحيدة اللي خبيت حاجة!
حسين أخذ نفساً عميقاً، حاول يتمالك
اتكلمي.. قوليلي كل حاجة من الأول.. وإن كذبتي كلمة واحدة.. هتحاسبي على كل يوم حرمتني فيه من بنتي.
زينب مسحت دموعها بكمّها البالي، ونظرت للسقف كأنها تستعيد مشهداً مؤلماً
يوم المولد.. كنت ماشية شايلة كيس خبز.. شفت الطفلة قاعدة تبكي.. رحت قربت منها.. وقبل ما أقدر أسألها عن أي حاجة.. شفت الراجل ده!
راجل؟
أيوه.. راجل طويل، لابس جلابة سودا، وشه مغطى بوشاح.. كان جاي من الناحية التانية بسرعة، وعينه عليها.. كنت قريبة منها أكتر.. مدّ إيده ياخدها مني.. صرخت بصوت عالي، خفت يلفت النظر.. سحبتها من إيده وجريت بيها.. خبّيتها بين البيوت القديمة.. وخبّيت نفسي معاها.
حسين اقترب خطوة أخرى، قلبه يدقّ بعنف
ولمّا شفتني في التلفزيون.. عرفت إنني أبوها.. ليه ما رجعتاش؟
لأنّي شفت الراجل ده تاني.. في نفس البرنامج.. واقف وراك في الكاميرا.. باصّ ليك بتركيز مخيف.. عرفت إنه لسه بيدور عليها.. وإنّه لو لقاها.. هيتمّ اللي بدأه!
سكتت الغرفة.. صمت ثقيل مليء بالخوف المجهول.
مين الراجل ده؟
الجزء الثالث
سأل حسين ببطء وإيه علاقته بنور؟
زينب التفتت لجانب السرير، أخرجت صندوقاً خشبياً صغيراً مغبراً من تحت الفراش، سلمته بيد مرتعشة لحسين
ده اللي طلبتيه.. الصندوق الأزرق.. لونه بهتّ مع السنين.. بس جواه كل الحكاية.
حسين فتح الصندوق ببطء.. داخله صورة قديمة مطوية، وقصاصة جريدة قديمة، وخاتم فضي بسيط. أخذ الصورة.. قلبها.. وجمد!
كانت صورة لرجل في منتصف العمر، ملامحه قاسية، عيناه حادّتان.. وعلى ظهر الصورة كتابة بخط غير منظم هو اللي أمر.. ولن يرتاح حتى يأخذها.
مين ده؟ سأل بصوت مبهوت.
زينب أغمضت عيناها بألم




