
خطاها كأنها بتشدني لقاع بلا قاع. البيت كان بسيط، هادئ، ريحة الياسمين بتملأ المكان نفس الريحة اللي كانت تعطر ملابس حنان زمان، لما كنا نجلس مع بعض في حديقة الكلية، وكنت أتمنى إن الزمان يقف عشان مش فارقها أبداً.
جلست على كنبة قدامها، وهي قعدت على الكرسي المقابل، وبدت عيناها بتتحرك بقلق، كأنها بتعيد ترتيب كلام في بالها من سنين. سكتت دقائق طويلة، ما بينا غير صوت تنفسنا وصوت نقر ساعة حائط قديمة في الصالة.
أنا اللي كسرت الصمت بصوت مكسور
تكلمي يا حنان.. قولي لي إيه السر اللي كريمة خبته عني 36 سنة؟ ليه طلبت مني أجي لك قبل ما ټموت؟ وإيه الحاجة الكبيرة اللي أنا ما أعرفهاش؟
حنان أخذت نفس طويل، مسحت دمعة نزلت على خدها بإصبعها المرتعش، وبدأت تتكلم بصوت خاڤت، كل كلمة منها بتثقل كأنها حجر نازل على قلبي
أول حاجة لازم تعرفها يا حسن.. إن أنا ما رفضتكش زمان. أبداً. ما كانش في قلبي غيرك، وكنت مستعدة أسافر معاك، أروح معاك لأي مكان، أتحمل معاك أي تعب. اللي حصل كان غير تماماً اللي فكرته طول كل السنين دي.
فتحت عينيا بدهشة، قلت
إزاي؟ أنتِ اللي قلت لي إنك مش عايزة تتجوزيني، وإن مشاعرك اتغيرت، وإن لازم أروح وأنساكي.. أنا سمعت الكلام ده من فمك بنفسي!
هزت راسها ببطء، دموعها بتزيد
ما كنتش أنا اللي قلت لك الكلام ده يا حسن.. كانت كريمة.
كلامها ضړبني زي صاعقة، جسمي اتجمد في مكاني، ما عرفتش أتكلم ولا أتحرك. كريمة؟ صديقة عمري؟ اللي كنت أعتبرها زي أختي؟ اللي كانت دايماً تقول لي إنها بتتمنى لي كل خير مع حنان؟!
حنان شافت صدمتي، فكملت ببطء
تتذكر قبل ما تسافر بأسبوع، لما جيت لي البيت وقلت لي إنك حصلت على الشغل وإن لازم تسافر، وطلبت مني أتجوزيك قبل السفر؟ كنت سعيدة جداً يا حسن.. سعيدة لدرجة ما كنتش أصدق. قلت لك نعم من غير تردد، واتفقنا إننا نجهز كل حاجة في الأيام الجاية، وإنني أسافر معاك بعد أسبوع.
سكتت شوية، وكأنها بتسترجع ذاكرة أليمة جداً، ثم قالت
في اليوم اللي بعده، كريمة جت لي البيت. قالت لي إنها جاية تبارك لنا، بس لما قعدنا، قالت لي كلام هز كياني كله. قالت لي إنك سکړان في ليلة من الليالي واعترفت لها إنك مش حابباني بجد، وإنك عايز تتجوزني عشان بس تريح أهلك، وإنك كنت تقول لي كلام حلو عشان توافق بس، وإن بعد ما تسافر هتتركني. قالت لي إنها مش عايزاني أتأذى، وإن الصح إني أرفضك وأقول لك إن مشاعري اتغيرت، عشان تتركني من غير ما أتألم في المستقبل.
قلت بصوت مرتعش
وأنتِ صدقتها؟ من غير ما تسأليني أنا؟!
حاولت أتصل بك كتير يا حسن.. كلمتك في بيتك مرات كتير، ما ردتش عليا. رحت لبيتك، قالوا لي إنك سافرت مبكراً شوية، استعجلت في السفر. كنت وحيدة ومش عارفة أصدق مين ومين لأ.. كريمة كانت صديقتنا كلنا، كنا نثق فيها بعمى. وكل الكلام اللي قالته كان بيتطابق مع حاجات كنت شايفاها منك كنت متوتر، مش مرتاح، بتتكلم عن السفر بقلق.. فصدقتها. وقلت لنفسي لو هو بيحبني بجد، كان جاي يسألني، كان يعاتبني، كان ما سابنيش بسهولة كده. فأنا اللي كتبت لك الرسالة وقلت لك إني رافضاك، بس.. بس ما كنتش أعرف إن هي اللي خلتك تسافر من غير ما تكلمني!
قاطعتها بسرعة
إزاي




