
عزومة العيد كان المفروض تكون لَمة عيلة، بس بالنسبة لي كانت ليلة شاقة لا تنتهي في المطبخ! أبويا عزَم الكل، وأمي قررت إن المطبخ مكاني وأنا اللي أطبخ وأخدم على الكل. بعد ساعتين من التعب المتواصل، باب الفيلا اتفتح فجأة! راجل أنيق جداً، لابس بدلة سوداء شيك، دخل ومشى بثبات لحد المطبخ، ومسك إيدي قدام الكل وباسها برقة وقال لي: “سامحيني يا حبيبتي.. اتأخرت عليكِ!”.. الكلام وقف والصمت نزل على العيلة كلها بذهول.. لأنهم عارفين الراجل ده كويس أوي، بس ما كانواش فاهمين إيه اللي جابه هنا وإيه السر اللي على وشك ينكشف!
في عيلة المرشدي، الحب ما كانش مشاعر بريئة؛ كان التزامات قاسية، وقيمتك بتتحدد بقدرتك على تحمل الضغوط والسكوت عشان تحمي سمعة الباقيين.
من صالة الأكل الفخمة، ريحة الأكل الحلو مع ريحة البخور كانت متخلطة بصوت كاسات الكريستال. العيلة كلها كانت متجمعة تحت النجف، عايشين في أجواء من التفاخر والمثالية بالمناسبة.
وأنا، إيمان، كنت قاعدة في ركن هادئ بالمطبخ، إيديا احمرت من المية السخنة والأعباء المتراكمة.
قبلها بساعة واحدة، أمي، درية هانم، عدت من جنبي وهي لابسّة فستانها الحرير، رمت في وشي مريلة مطبخ قديمة بنظرة قسوة:
“المطبخ ده هو المكان المناسب لكِ! إياكِ ألمح وشكِ في الصالة تفضحيني قدام إخواتكِ. اطبخي واخدمي وأنتِ ساكتة!”
أنفع في حاجة..
دي العلامة اللي علموا بيها على قلبي من وأنا عندي 18 سنة، لما أجبروني أشيل مسؤولية مالية غير صحيحة عشان أنقذ مستقبل أخويا طارق.
سحبوا كل الفلوس اللي كانت باسمي، وعاملوني كخادمة بلا أجر، وتأكدت إن مكاني دايماً في الخلف.
بعد ساعتين من العمل المتواصل، وأنا بدعك آخر حلة، جرس الباب الخارجي رن بقوة.
ضحكة طارق العالية في الصالة اختفت في ثانية، وسكوت ثقيل نزل على الفيلا كلها.
خطوات ثقيلة وثابتة هزت المكان. الراجل ده عدى من الصالة والتجمعات وغاض الطرف عن الجميع، ومشى على طول لمطبخ العمل!
راجل له هيبة كبيرة وقف على باب المطبخ. كان لابس بدلة سوداء شيك جداً، ونظرات عينيه الحادة ركزت عليا أنا وبس.
قرب من غير تردد، وقبل ما ألحق أبعد، مسك إيدي الخشنة المبلولة بكل حنية، رفعها وباسها باحترام وشوق قدام الكل.
“سامحيني يا حبيبتي..” قالها بصوت جهوري وهادئ هز أركان البيت كله: “اتأخرت عليكِ!”
طاااخ!
شوكة الفضة من إيد أختي وقعت على الطبق! أبويا، عبد الجواد المرشدي، قام من كرسيه فجأة ووشه شاحب وصوته بيقطع:
“إ… إيمان!.. أنتِ تعرفي.. الأستاذ آسر بيه عز الدين منين؟!”
آسر عز الدين..
رجل الأعمال البارز صاحب أكبر مجموعة شركات؛ الراجل اللي أبويا بقاله 6 شهور بيحاول التواصل معه عشان يوقع معاه عقد شراكة وإنقاذ يحمي شركتنا من التعثر!
آسر لف ببطء شديد وعينيه باصة للمريلة اللي على وسطي.
“دي خطيبتي.. وعروستي المستقبلية،” قالها آسر بنبرة جمدت الدم في عروقهم جميعاً.
بكل هدوء، حط إيده في جيب الجاكيت وطلع عقد الشراكة والإنقاذ بـ 50 مليون دولار اللي أبويا كان بيتمنى يوقعه.
وكمّل آسر بهدوء مرعب وهو بيحط العقد المليوني في إيدي المترعشة:
“..ليه الإنسانة اللي بإيدها تدعم الشركة أو تتركها، واقفة هنا، تغسل الأطباق، بدل ما يكون لها مكانتها اللائقة؟!”
يا ترى إيه اللي هيحصل لما آسر يكشف الحقيقة الكاملة ورا الأزمة القديمة، وإزاي إيمان هتاخد حقها وتكسر كبرياء عيلتها بالطرق القانونية؟
الجزء الثاني: الصدمة في قاعة العيد
الكلمات الأخيرة لآسر كانت صاعقة ضربت الجميع في الصالة. أنا، إيمان، كنت واقفة مذهولة، إيدي لسه في إيده الكبيرة الدافئة، والعقد المليوني بين أصابعي. لم أصدق ما سمعته.. خطيبتي؟ أنا؟ اللي كانوا يعاملوني كأقل من خادمة طوال السنين؟
أبويا عبد الجواد اتحرك بلا وعي خطوة لقدام، عيناه مثبتة على العقد اللي في إيدي، وصوته اتقطع:
“أنتَ بتقول.. إنها خطيبتك؟ إيمان؟ دي البنت اللي..”
“دي البنت اللي ظلمتوها، واتهمتوها بالباطل، وسلبتوها كل حاجة ما تستحقهاش!” آسر كمل بكل هدوء مخيف: “دي إيمان.. حبيبتي.. والإنسانة اللي أمانتها عندي، واتضح إنكم حفظتوها في بيئة ظالمة لا تهتم بكرامتها!”
أمي درية هانم وقفت فجأة، وجهها محتدم، وصرخت بكل غضب:
“كلام فاضي! دي بنتنا، ونحن أدرى بيها! هي اللي تسببت في أزمة المال، وهي تستاهل اللي يجرالها! ما توقعش العقد عليها يا آسر بيه، دي مش أهل للثقة!”
آسر لف عليها ببطء، ونظراته كانت حازمة لدرجة أنها سكتت:
“أزمة المال كانت أول حاجة فتشت عنها قبل ما أجي. وأنا ما أتقدمش لحد من غير ما أعرف كل حاجة عنه. وبعد ما شفت الحال هنا، تأكدت إن كل كلمة قالتها لي إيمان كانت حقيقة.. وكل ادعاءاتكم كانت غير صحيحة!”
طارق، أخويا، وقف بتوتر وحاول يبدو واثقاً:
“يا سيد آسر، الموضوع مش كده.. إيمان حصل خطأ واتصرفت بغباء.. واحنا سترنا عليها!”
“سترتوها؟!” صرخت بصوتي لأول مرة من سنين، ودموعي نزلت بغزارة: “سلبتموني فلوسي، سلبتموني كرامتي، خليتوني خدامة في بيتي! وأنتَ يا طارق.. أنتَ اللي أخذت الفلوس وأنتَ اللي طلبت مني أتحمل النتيجة عشان تخلص من ديونك!”
الصالة كلها سكتت، والكل باصص لطارق اللي وشه تغير وبدا يترعش. آسر ضغط على إيدي وقال بهدوء:
“الحقيقة بتتكلم لوحدها. عندي كل الأدلة، الشهادات، والتسجيلات اللي تثبت براءتك. وكل شخص هيدفع ثمن أفعاله!”
شدني معاه بحزم وخرجنا من المطبخ أمام الجميع الذين وقفوا مذهولين. لما وصلنا لباب الفيلا، التفت آسر وقال بصوت واضح:
“العقد ده مش بيع لشركتكم.. هو ورقة تثبت إن إيمان تملك نصف أسهم الشركة.. والنص التاني هيتقرر بعد مراجعة الحسابات. وأنتِ يا إيمان.. من اليوم، مفيش حد يقدر يأمرك بكلمة ولا يهينك بنظرة!”




