
ضحكت ضحكة مكسورة.
كل مرة كنت بحاول أقولك، مامتك كانت تقوللي إنك هناك بتشتغل عشاننا، وإن آخر حاجة محتاجها إنك تتوتر وأنا في مصر.
بصيت لأمي.
هي سكتت.
قلت
طب مين كان بيدفع علاجها؟
أمي قالت
إحنا طبعًا.
إحنا مين؟
أنا يعني البيت كله.
بصيت حواليا.
التليفزيون الجديد كان قدامي.
الأرضيات الجديدة.
المطبخ اللي اتغير بالكامل.
العربية الجديدة واقفة برا.
ومحل التجميل اللي فتحته مي من كام شهر.
وبعدين بصيت لسارة.
كانت لابسة شبشب مقطوع.
قلت
كام جلسة علاج دفعتوها من الفلوس اللي كنت ببعتها؟
أمي ردت
كتير.
سارة قاطعتها
اتنين بس.
بصيت لأمي.
اتنين؟
ما ردتش.
مسكت إيد سارة.
يلا.
قالت
فين؟
المستشفى.
أمي وقفت قدام الباب.
استنى يا حسام!
بصيت لها.
ابني، إنتَ سبتنا أربع سنين! أربع سنين وإنتَ عايش في كندا وإحنا اللي شايلين البيت هنا!
قلت بهدوء
أنا سبت مصر عشان أصرف على البيت.
وإنتَ فاكر إننا كنا عايشين ببلاش؟
بصيت لسارة.
هي كانت بتعيش إزاي؟
أمي سكتت.
قلت
هي لأ.
وأنا خارج، موبايلي اهتز في جيبي.
طلعت الموبايل.
كان فيه 17 مكالمة فائتة من كندا.
وفي إيميل وصلني وأنا في الطيارة.
فتحته.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
كانت الموافقة الرسمية على التعويض اللي كنت مستنيه من شهور.
مليون جنيه.
وقفت مكاني.
أمي كانت لسه بتبصلي.
قلت
فيه خبر كنت ناوي أقوله لكم بكرة.
كلهم سكتوا.
رفعت عيني من على الموبايل.
التعويض بتاعي اتوافق عليه.
مي ابتسمت فورًا.
أمي قربت خطوة.
تعويض قد إيه؟
قلت
مليون جنيه.
وش ناهد اتغير.
وبدأت تبتسم.
ابتسامة غريبة
ابتسامة واحدة لسه شايفة إن الحكاية خلصت لصالحها.
لكنها ما كانتش تعرف
إني قبل ما أنزل من الطيارة، كنت
رجعت مصر فجأة بعد 4 سنين في كندا لقيت مراتي حالقة شعرها وبتلم بواقي الأكل من الجنينة، وأهلي راكبين عربية جديدة!
أمي بصّتلي وقالت بكل برود
فلوسك بتوصل على حسابي وأنا اللي بقرر تتصرف إزاي.
ما اتخانقتش معاها.
مسكت موبايلي واتصلت بمحاميتي، وبعدها قلت لهم إن التعويض اللي أخدته وصل لمليون جنيه.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه
إني كنت بالفعل شفت كشف الحساب السري اللي أمي كانت مخبياه عني.
الجزء الأول
نزلت من العربية قدام البيت من غير ما أقول لحد إني راجع.
أربع سنين كاملة وأنا في كندا، محدش في البيت كان يعرف إن رحلتي دي هتنتهي برجوعي فجأة.
كنت فاكر إني أول ما أفتح باب البيت هلاقي مراتي سارة بتجري عليّا من الفرحة، وأمي ناهد هتفضل تزغرط من غير ما تبطل كلام عن قد إيه ابنها وحشها، وأختي مي هتبدأ تسألني جبتلها إيه من كندا.
لكن اللي شوفته من ورا السور خلاني أقف مكاني.
مراتي كانت قاعدة على الأرض في الجنينة.
رأسها محلوق تقريبًا على الزيرو.
جسمها هزيل بشكل يخض، ووشها شاحب، وعينيها غائرة كأنها ما نامتش بقالها شهور.
كانت ماسكة كيس بلاستيك وبتلم بواقي أكل وقطع مكسورة من طبق وقع على الأرض.
فضلت واقف ثواني مش قادر أستوعب.
دي سارة؟
مراتي؟
الست اللي سبتها من أربع سنين وهي بصحة كويسة، وشعرها طويل، ووشها مليان ضحكة؟
سمعت صوت أختي مي جاي من التراس
يا سارة، والنبي خلصي اللي في إيدك بسرعة، وخليكي جوه! مش ناقصة منظرك ده قدام الضيوف.
سارة حاولت تقوم.
لكن أول ما وقفت، رجليها خانتها.
حطت إيدها على الحيطة عشان ما تقعش.
وأنا واقف ورا السور، إيدي ماسكة شنطتي، وقلبي بيخبط بطريقة عمري ما حسيتها.
أنا كنت أربع سنين في كندا.
اشتغلت 12 ساعة في اليوم في مصنع صناعات تقيلة في ألبرتا.
كنت برجع شقتي المشتركة آخر اليوم جسمي مهدود،
وأنام كام ساعة وأصحى أشتغل تاني.
كنت عايز أوفر كل جنيه.
كنت عايز أرجع وألاقي البيت خلص، ومراتي عايشة مرتاحة، وأمي مش محتاجة حاجة، وأختي بدأت حياتها.
كل شهر كنت بحوّل لأمي مبلغ بيتراوح بين 120 و ألف جنيه تقريبًا.
وأوقات أكتر.
على مدار الأربع سنين، كنت حوّلت أكتر من 5 ملايين جنيه، غير مكافآت الشغل وفلوس الأعياد.
وكنت دايمًا أقول لنفسي
أمي أأمن حد أحط معاه فلوسي.
عمري ما طلبت منها كشف حساب.
ولا مرة سألتها
صرفتي كام؟
كنت واثق فيها.
وسارة كانت كل ما أكلمها على فيديو تقوللي
أنا كويسة يا حبيبي، متشغلش بالك بيا.
لكن من شهور، بدأت ترفض تفتح الكاميرا.
مرة تقول النت وحش.
ومرة تقول الموبايل عطلان.
ومرة تقول
أنا تعبانة شوية، خلينا صوت بس.
وأنا كنت بصدقها.
لحد اللحظة دي.
سمعت صوت سارة وهي بتقول بخجل
مي ممكن تديني حاجة آكلها؟ أنا ما أكلتش من امبارح.
مي ضحكت بسخرية.
هو إحنا هنفضل نصرف عليكي لحد إمتى؟ ما إنتِ قاعدة في البيت أهو!
وفي اللحظة دي ظهرت مي قدامي.
هدوم جديدة، وشايلة شنطة غالية، وممسكة مفتاح عربية لسه جديدة.
رفعت المفتاح قدام عينيها وقالت
شوفي بقى، العربية وصلت النهارده!
سارة بصت للعربية من بعيد.
وبعدين بصت لنفسها.
ما قالتش حاجة.
مي قربت منها وقالت
وبعدين يا سارة، إنتِ من ساعة ما تعبتي وإنتِ عاملة . احمدي ربنا إننا لسه سايبينك في البيت.
سارة بلعت ريقها.
أنا مش عايزة حاجة منكم أنا بس محتاجة أكمل علاجي.
مي هزت كتفها.
كل شوية علاج وعلاج. هو إحنا هنصرف فلوسنا عليكي؟
دي فلوس جوزي.
الصمت نزل فجأة.
أمي ناهد خرجت من البيت. كانت عباية شيك، وفي رقبتها سلسلة دهب عليها دلاية حمامة صغيرة. أول ما دي كانت الهدية اللي جبتها لسارة في عيد جوازنا الخامس. وقفت أبص للدلاية. وبعدين بصيت لمراتي. سارة لمحتها هي كمان.
قالت لأمي ماما، لو سمحتي رجعيلي الدلاية. أنا ممكن أبيعها وأدفع تمن الكشف والعلاج. أمي ردت بمنتهى البرود الدهب ده أنا اللي حافظت عليه. وبعدين إنتِ هتبيعي كل حاجة في البيت وتسيبينا إيه؟ سارة بدأت تعيط. أنا مش عايزة أبيعها عشان




