قصص و روايات

سر الحيطة حكايات بسمة

لازم نكون حذرين، قلت بعد ما فكرت شوية. لو هو عمل كده، يبقى مخطط كل حاجة. التحاليل اللي بيجيبها، الأدوية اللي بيوصفها، حتى الأطباء اللي بيراجعوا معاه ممكن يكونوا تحت تأثيره أو ما يعرفوش الحقيقة. لو حاولنا ناخدهم لمستشفى عادي، ممكن يوصله الخبر قبل ما نوصل. يعني إيه؟ قال آدم، أسكت وأنا شايفه بيضر ولادي قدام عيني؟ لأ، رديت بسرعة، هنشتغل بذكاء. هنجمع دليل أولًا. الريحة دي والمسحوق اللي شفتوه ده مش كفاية لوحده. لازم نعرف إيه المادة دي، ونثبت إنها جاية من التهوية، ونربطها بيه هو شخصيًا. ولو أمهم كانت عندها دليل عليه، ممكن تكون خبته في مكان هنا، خصوصًا إنها حذرت الأولاد من الحيطة دي بالذات.

آدم بص ناحية الباب اللي وراه الأولاد: هي كانت عارفة إن حياتها في خطر وخبت الحقيقة في مكان ما يوصلوش لحد غير للي يفهمها. والكاميرات، قلت، هو شايفنا دلوقتي. لو شافنا نفتش المكان، هيعرف ويتصرف. لازم نعملها ببطء وبخفاء.

اتفقنا على خطة. مدام سميحة ترجع شغلها طبيعي وما تغيرش في تصرفاتها عشان ما يشكش. أنا أتابع الأولاد وأحاول أجمع عينات من الهواء والمسحوق من غير ما يلاحظ. وآدم يتصل بدكاترة مستقلين خارج دائرة شريف، ويطلب منهم يفحصوا الأولاد ويعملوا تحاليل خاصة بطريقة ما يعرفهاش هو. وفي نفس الوقت، أبحث عن أي أوراق أو ملفات كانت لمرات آدم، لأنها كانت السبب في كل حاجة.

مرّت الأيام ببطء شديد. كل يوم كنت أحسّ إننا بنعيش فوق بركان. دكتور شريف كان بيجي كل يومين يطمن عليهم، وكل مرة كان بيسألني بنظرة غريبة وكأنه بيختبرني، يشوف أنا وصلت لحاجة ولا لأ. كنت أتعامل معاه بكل طبيعية، أقول له إنهم نفس الحال، وإنني بحاول أساعدهم على الأكل والنوم، وأتجاهل نظراته الحادة.

في الأسبوع التالي، لما كان الأولاد نايمين والبيت هادي، تسللت لغرفة مرات آدم اللي كانت مقفولة من زمان. المفتاح كان مع آدم نفسه، سلمه لي وهو بيقول: ما فتحتهاش من يوم ما رحلت، خايف أفتحها وأفتح جروح تاني. الغرفة كانت معطرة بريحتها… عطر خفيف، مختلف تمامًا عن ريحة اللافندر اللي كنت بشمها في أوض الأولاد. كل حاجة في مكانها، كأنها سابتها إمبارح. كتب، دفاتر، صور لهم الاتنين مع الأولاد وهما صغار، وملفات أبحاث طبية مكدسة على رفّ خشبي.

قعدت أقرأ وأفتش بتركيز. ساعات مرت وما حسيتش بيها. لحد ما وصلت لدفتر ملاحظات صغير مخبي جوه كتاب قديم، واسمها مكتوب عليه بخط اليد: “يومياتي لما بعدي”. فتحته وبدأت أقرأ. كلامها كان واضح وقوي، وتواريخه متسلسلة: “شريف طالب مني أوقع على تحويل مبلغ كبير لشركة تابعة له. قال عشان الأبحاث. بس لما طلبت أشوف النتائج والبيانات، اتعصب وتهرب من الإجابة. حاسة إن في حاجة غلط.” “النتائج بتاعته مش منطقية. الأرقام ما بتتطابقش. خايفة يكون بيستخدم المال في حاجة تانية خالص.” “قال لي إن لو وقفت في طريقي هخسر كتير. ما فهمتش معناه غير بعدين. والدلوقتي عرفت إنه مش بس بياخد الفلوس… هو بيخفي حاجة خطيرة في التجارب اللي بيعملها. حاولت أتكلم معاه، قال لي اخرسي وإلا تندمي.” “كتبت كل حاجة… الأسماء، التواريخ، المبالغ، أماكن التجارب، وعلاقته بالمادة اللي بيستخدمها. خبيت نسخة من التقرير الكامل في مكان هو مش هيقدر يوصل له بسهولة. وقلت لولادي يبعدوا عن الحيطة اللي ورا أوضتهم لأن هناك بالظبط بدأ كل حاجة، وهناك خبيت الدليل.” “لو أنا رحلت قبل ما أقدر أتكلم، فاعرفوا إنني ما رحلتش بسبب حادث عابر. واعرفوا إن اللي ورا كل ده هو الشخص اللي كنتوا بتثقوا فيه أكتر من أي حد. احموا الأولاد واجعلوا الحق يظهر.”

الدفتر وقع من إيدي. كنت حاسة ببرد يسري في جسمي كله. كل كلمة فيها كانت دليل إدانة كامل، وكل كلمة بتثبت إنها كانت عارفة تمامًا إن حياتها في خطر، وإنها قاومت لحد آخر لحظة عشان تكشف الحقيقة. رجعت لآدم بالدفتر، ولما قراه بكى كطفل صغير. بكى على اللي خسره، وبكى على الثقة اللي كانت عمياء، وبكى لأنه سلم ولاده للي أذى أمهم وبيحاول ينهي حياتهم.

دلوقتي بقى معانا نصّ الحقيقة، لكن النص التاني… التقرير الكامل والعينة اللي قالت عنها لسه مخبية ورا الحيطة اللي حذرت منها أولادها. وعلشان نوصله، لازم نعمل حاجة دقيقة… نكسر الحيطة دي ونستخرج اللي جواها، وفي نفس الوقت نحافظ على الأولاد ونحميهم من اللي بيشوف كل حركة لنا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى