قصص و روايات

سر الحيطة حكايات بسمة

دكتور شريف؟ قال بعد لحظة صمت، هو اللي كنت واثق فيه من كل الدكاترة! هو صديق قديم للعيلة! وأنا كمان ما صدقتش نفسي، قالت مدام سميحة، بس رجعت تاني يوم ولقيت فتحة تهوية فوق في الغرفة دي متصلة بفتحة التهوية اللي هنا بالظبط. كل ما بيفتح المروحة من فوق، الريحة والحاجة دي تنزل هنا وتملّى المكان. حاولت مرة أغير مكانهم، لكن تعبهم رجع يزيد تاني، وكل ما أجيب حد ينظف أو يصلح، بيكون فيه حاجة تخليه يأجل أو يعتذر. وكل ما أسأل، بيقولوا الدكتور شريف هو اللي طالب كده، عشان الجو المناسب لصحتهم.

والمركّب اللي بيتنزل؟ قلت، حد يعرف إيه ده؟ ما أعرفش بالظبط، قالت، بس سمعته مرة وهو بيتكلم في التليفون، بيقول إن المادة دي بطيئة المفعول، وإن التحاليل مش بتظهرها بسهولة، وإن محدش هيشكّ في حاجة غير لما يفوت الأوان. وإن لما الأولاد يضعفوا أكتر، الوصية هتتغيّر.

الكلمة “الوصية” خلت الدم يجمد في عروقي. بصيت لآدم لقيته واقف كالتمثال، وشه شاحب، وإيده اتقبضت على حافة الحائط بقوة. الوصية… قال بصوت مكسور، أمهم كتبت وصيتها قبل ما ترحل، نصّها إن كل فلوسها وحصتها في الشركة تروح للولاد لما يكبروا. ولو حصل لهم حاجة، تروح كلها للخير. بس كان فيه بند قديم لو حصل حاجة للولاد وهما صغار، الميراث كله يرجع لي أنا… وإن كنت أنا اللي أتوفى قبلهم، بيروح لـ…

سكت فجأة، وبص لمدام سميحة بعين اتملأت دموع وصدمة: بيروح لشريف! صرخ بالكلمة الأخيرة بصوت مسموع، وكأنها كانت محبوسة جواه من زمان. هو اللي كان وصيّ عليها في الوصية القديمة قبل ما تتعدل، كمل، وصداقتنا قديمة من أيام الجامعة، كنت أثق فيه بعمري.

والحادثة؟ قلت، أنت شايف إنها ما كانتش مجرد حادثة؟ مش عارف… هز رأسه بضعف، كل ما أتذكر الحكاية بتاعتها، بكون حاسس إن في حاجة غلط، بس مش قادر أثبتها. الشرطة قالت حادث سير، وما كانش فيه دليل. إيه اللي بيجمع بينه وبينها غير الصداقة؟ سألت. خلاف؟ فلوس؟ آدم سكت شوية، وبص للأرض: قبل ما ترحل، كانت بتشتغل على مشروع كبير معاه، أبحاث طبية كانت بتدعمها من فلوسها الخاصة. قالت لي إنه وعدها بعلاجات لمرضى كتير محتاجين، وآخر فترة كانت متضايقة منه، قالت لي إنه أخد المال وسكت عن النتائج، وإن في حاجة غلط في الدراسات بتاعته وقالت إنها هتكشفه. وبعد أسبوع رحلت عن الدنيا.

الصمت ساد المكان كله. كل حاجة بدأت تتركب قدامي زي الأحجية. المال اللي اختفى، البحث اللي ملوش نتيجة، خوفها وقلقها الأخير، رحيلها المفاجئ، وبعدها مرض ولادها ببطء وبشكل غامض لدرجة إن حتى الأطباء ما عرفوش سببه. كل خطوة في الخطة دي مرسومة بدقة، ومفيش حد يشك لأن الضحية بتتعرض للأذية شوية شوية، والسبب مختفي في الهواء اللي بيتنفسوه كل يوم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى