قصص و روايات

سر الحيطة حكايات بسمة

مدام سميحة إنتِ عارفة الريحة دي؟ هزت رأسها بسرعة: لأ. متأكدة؟ أيوه. لكن إيديها كانت بتترعش. آدم قرب منها: سميحة؟ بصت له: أيوه يا فندم؟ في حاجة حصلت؟

قبل ما ترد، خرج عمر من أوضته وهو ماسك رقبته: بابا… آدم جري عليه: مالك يا حبيبي؟ عمر قال بصوت ضعيف: الريحة دي رجعت تاني. اتجمدت مكاني. آدم بص له: أنهي ريحة؟ عمر أشار للتهوية: الريحة اللي بتخليني أنا وآسر نتعب. بصيت لمدام سميحة. وشها كان شاحب. وفي اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد مرض غامض. في حد في البيت كان عارف أكتر مما بيقول.

لكن الصدمة الحقيقية حصلت لما آسر خرج من أوضته، وقال جملة خلت آدم نفسه يسكت: بابا… ماما كانت بتقول لنا ما نقربش من الحيطة دي أبدًا. آدم رفع عينه للحيطة. وبص لي. وأنا لأول مرة بدأت أسأل نفسي: لو أم الولدين كانت عارفة إن في حاجة خطيرة وطلبت منهم يبعدوا عن المكان ده، ليه قضا عليها القدر قبل ما تقول الحقيقة؟

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خفيف جاي من جوه فتحة التهوية. صوت مروحة بدأت تشتغل. والريحة انتشرت فجأة في الطرقة كلها. لكن المرة دي… ما كانتش ريحة لافندر. كانت ريحة مادة كيميائية نفاذة. آدم سحب الولدين بعيد عن المكان. وأنا قربت من فتحة التهوية. ولقيت على طرفها من الداخل… آثار مسحوق أبيض.

مدام سميحة شافت المسحوق، وبدأت تبكي. وقالت بصوت مرتعش: يا بنتي إنتِ ما كانش لازم تكتشفي ده. بصيت لها: ليه؟ ردت وهي بتبص ناحية كاميرا المراقبة فوقنا: لأن اللي بيحط الحاجة دي مش غريب عن البيت.

سكتنا كلنا. آدم كان ماسك إيد ولاده الاتنين، وعينه بتتحرك بيني وبين مدام سميحة وبين فتحة التهوية، وكأنه مش مصدق الكلام اللي سمعه. إنتِ بتقولي إيه يا سميحة؟ قال بصوت ثقيل مهتز، حد من البيت بيضر ولادي؟ مدام سميحة غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بصوت خافت: ما أقدرش أتكلم يا فندم والله ما أقدرش، خايفة لو عرف إني اتكلمت هيعمل فيا حاجة وانت مش هتقدر تحميني ولا أي حد! مين ده؟ قلت بصوت حازم وأنا واقفة قدامها، مين اللي بتخافي منه؟ هزت رأسها بخوف، ولفتت بسرعة ناحية الكاميرا اللي كانت مثبتة في سقف الطرقة فوقنا: كل حاجة مسجلة وهو شايفنا دلوقتي، لازم أمشي سامحوني! وحاولت تمشي بسرعة، لكن مسكت إيدها: استني! لو سبتينا دلوقتي وهو اللي بيدمر صحتهم، هيكمل فيهم. وأمهم رحلت وما كملتش كلامها… إنتِ عايزة يحصل فيهم زي ما حصل لها؟

الكلمة دي وقعت عليها زي الصاعقة. تجمدت مكانها، ونزلت دموعها أكتر، وبصت لي بعينين مليانة ألم وخوف. الحادثة دي ما كانتش مجرد صدفة، صح؟ سألت آدم بصوت هادئ لكن قوي. آدم اتأثر قوي، واتكلم بصوت ناشف: الشرطة قالت حادث سير… انحرفت العربية عن الطريق وما كانش فيه أثر لأي حاجة تانية. بس الأولاد قالوا إن أمهم حذرتهم من الحيطة دي! قلت، وتعبهم بدأ يمشي بخطى زي ما يكون فيه خطة مرسومة. كل يوم شوية شوية، لحد ما يضعفوا ومحدش يلاحظ من أول مرة.

آدم سحب نفس عميق، ونزل عينه على عمر وآسر اللي كانوا واقفين بيشوفونا بقلق وبيمسكوا في هدوم بعض من الخوف. تعالوا… قال لهم بهدوء، ادخلوا الأوضة يا حبيبي، العبوا شوية، أنا وداليا ومدام سميحة هنتكلم كلام مهم دقايق وناجيلكم. دخلوا ببطء، وقفلوا الباب وراهم. لما بقينا لوحدنا، آدم بص لمدام سميحة بتركيز: سميحة، أنا مربيكِ من صغرك، واثق فيكِ أكتر من أي حد تاني في الدنيا. اتكلمي. مين اللي بيعمل كده؟ وأنا أضمن لكِ الأمان، لو حتى اضطريت أخرجك برة مصر كلها. اتكلمي.

مدام سميحة مسحت دموعها بكف إيدها، واتكلمت بصوت خافت متردد: من بعد ما سيدتي رحمة الله عليها رحلت، الأوضة بتاعتها فضلت مقفولة فترة طويلة. وبعدين بدأت أشوف حاجات غريبة… أسمع أصوات جاية من جواها… ألاقي بابها مفتوح وهو كان مقفول… وكنت خايفة أقول لحضرتك، لأنك كنت تعبان ومشغول بالشغل وبالولاد وفكرت نفسي بتوهم.

سكتت شوية، وبلعت ريقها: وبعد سنة تقريبًا، اللي هو الوقت اللي الأولاد بدأوا يتعبوا فيه، كنت جاية ألمّ الأوض العليا، ومرة جيت بدري شوية ولقيت الباب بتاع غرفة التخزين اللي فوق أوضهم مفتوح وشفت حد بيخرج منها بسرعة. ما شفتش وشه كويس، لكني عرفته من خطوته ومن طريقته في المشي. مين؟ سأل آدم بحدة. دكتور شريف… قالت بصوت خافت جدًا، كأن الكلمة خرجت غصب عنها.

اتفاجئت أنا نفسي، وآدم اتجمد:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى