
صدر صوت من خلفنا.
أيوه يا ملك.
تجمدت.
كان صوتًا لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات.
استدرت ببطء.
وفي آخر القبو، خلف باب صغير لم ننتبه له
وقف رجل يحمل عصا، وشعره أصبح أبيض عند الجانبين.
نظر إليّ.
وعيناه امتلأتا بالدموع.
أنا خالوكي.
سقطت الورقة من إيدي.
مستحيل
ابتسم بحزن.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أحمد ظل واقفًا دون حركة.
أما ملك، فاقتربت خطوة.
إنت كنت في الصور؟
ضحك الرجل وسط دموعه.
أيوه.
ثم نظر إليّ.
بس في حاجة أهم لازم تعرفيها.
اقترب مني.
وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
اللي حصل زمان ما كانش سببه الفلوس.
فتح الظرف.
وكان بداخله مستند واحد فقط.
أحمد أخذه وقرأه.
ثم تغير وجهه.
مستحيل.
سألته
إيه؟
رفع الورقة أمامي.
الشخص اللي بدأ كل اللي حصل مش من عيلتك.
صمت.
ثم نظر إلى عمه.
الشخص ده من عيلتي أنا.
وفي اللحظة نفسها
انطفأت أنوار القبو مرة أخرى.
وسمعنا صوت ارتطام قوي فوقنا.
ثم صوت سيارة تبتعد بسرعة خارج المنزل.
وعندما عادت الإضاءة
كان سامح قد اختفى.
والظرف الذي كان في يد أحمد
اختفى معه.
لم يبقَ في القبو سوى ورقة صغيرة على الأرض.
انحنيت والتقطتها.
وكان مكتوبًا عليها
لو عايزة ترجعي ملك بأمان ابعديها عن أحمد الدمنهوري.
رفعت عيني ببطء ناحية أحمد.
ولأول مرة
بدأت أشك في الشخص الوحيد الذي كنت أظن أنني أستطيع الوثوق به وقفت مكاني وأنا ماسكة الورقة، وعيني ثابتة على أحمد.
هو قرأها من بعيد، لكن ملامحه ما اتغيرتش.
قال بهدوء
مريم بصيلي.
ما بصتش له.
الرسالة بتقول أبعد ملك عنك.
عارف.
إذن ليه كل ما نكتشف حاجة جديدة بتكون عيلتك موجودة فيها؟
سكت أحمد.
عمه اقترب منه وقال
لأنك لازم تعرف إن والدك كان عارف كل حاجة.
رفع أحمد عينيه إليه.
والدي؟
أيوه.
ظهر الغضب على وجه أحمد لأول مرة.
إنت بتقول إيه؟
أنا بقول إن القضية اللي دفنتوها من عشر سنين بدأت داخل شركتكم.
أحمد بصّ لي.
ثم قال
مريم، أنا ما كنتش أعرف.
بس أنا مش عارفة أصدق مين.
اقتربت من ملك.
وأنا مش هخاطر بيها.
ملك أمسكت إيدي.
ماما أحمد كويس.
بصيت لها.
إزاي عرفتي؟
قالت ببساطة
عشان لما كنت خايفة، هو وقف قدامنا.
الكلام لمس قلبي.
لكن قبل ما أرد، سمعنا صوت صفارة سيارات في الخارج.
أحمد رفع رأسه.
الشرطة.
بعد دقائق، دخل ضابطان إلى القبو.
تقدم أحدهما ناحية أحمد وقال
أستاذ أحمد الدمنهوري؟
أيوه.
إحنا جايين بسبب بلاغ عن اقتحام المنزل.
ثم نظر إلى عمه.
وأنت كمان مطلوب منك تيجي معانا للتحقيق.
عمه لم يعترض.
لكن قبل أن يخرج، نظر إليّ وقال
مريم متثقيش في أي حد يقولك إنه بيحميكي.
ثم نظر إلى أحمد.
خصوصًا لو كان عنده مصلحة في إن ملك تفضل قريبة منه.
خرج مع الضابط.
بقي أحمد وأنا وملك.
الهدوء كان مرعبًا.
قلت
أنا هاخد ملك ونمشي.
أحمد لم يمنعني.
فقط قال
هتروحي فين؟
أي مكان.
مريم، الشخص اللي بيهددك يعرف بيتك ومدرسة ملك وشغلك. أي مكان عشوائي مش هيكون آمن.
وأعمل إيه؟
سكت لحظة.
ثم قال
خليكي في مكان أنا أعرف أحميه.
رفعت عيني له.
فين؟
بيتي.
رفضت فورًا.
لأ.
مشكدعوة شخصية. كإجراء أمان.
ظللت صامتة.
ثم ملك قالت
أنا موافقة.
نظرت إليها بدهشة.
ملك!
قالت بثقة
بيت أحمد شكله آمن.
أحمد ابتسم.
على الأقل واحدة فينا عندها ثقة فيّ.
لأول مرة منذ ساعات، ابتسمت رغم خوفي.
لكن عندما وصلنا إلى سيارة أحمد
وجدنا شيئًا موضوعًا على المقعد الخلفي.
ظرف أسود.
أحمد فتحه.
جواه هاتف قديم.
اشتغل بمجرد ما ضغط الزر.
ظهرت رسالة فيديو.
الرجل الذي ظهر على الشاشة كان أخي.
اتسعت عيني.
خالو!
ملك اقتربت من الشاشة.
أخي قال
مريم، لو الفيديو ده وصلك، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك قبلهم.
توقف لحظة.
ثم قال
وأهم حاجة لازم
تعرفيها إن الشخص اللي بتدوري عليه مش سامح.
ظهرت على الشاشة صورة لشخص آخر.
صورة جعلت أحمد يتجمد.
لأن الرجل الموجود فيها
كان والده.
ثم جاء صوت أخي
والد أحمد هو اللي بدأ كل حاجة.
الفيديو انتهى.
أحمد ظل ساكتًا.
أنا بصيت له.
إنت كنت تعرف؟
هز رأسه ببطء.
لا.
ثم فتح باب السيارة.
لكن دلوقتي لازم أعرف ليه والدي كان مهتم بملك من قبل ما تتولد.
وفي اللحظة التي تحركت فيها السيارة
وصلت رسالة إلى هاتفي.
من رقم أخي.
فتحتها.
وكانت جملة واحدة فقط
مريم، متروحيش بيت أحمد لأنهم عارفين إنك هتروحي هناك.
رفعت عيني ناحية أحمد.
لكن قبل ما أتكلم
ظهرت رسالة ثانية.
والأخطر إن الشخص اللي هرب بالمستند مش سامح.
وتحتها اسم واحد.
اسم جعلني أفتح الباب وأصرخ
أحمد وقف العربية!أحمد ضغط الفرامل فورًا.
السيارة توقفت على جانب الطريق.
التفت إليّ بحدة.
إيه اللي حصل؟
مددت له هاتفي.
قرأ الرسالة.
ثم رفع عينيه إليّ.
مين الاسم؟
قبل ما أجاوب، وصل إشعار جديد.
اسم الشخص ظهر على الشاشة.
يوسف الدمنهوري.
والد أحمد.
أحمد ظل ساكتًا.
ملامحه فقدت كل تعبير.
إنتِ متأكدة إن الرسالة من أخوكي؟
الرقم نفسه.
طب إزاي أبوي سرق المستند؟ هو أصلاً اختفى من حياتي من سنين.
ملك كانت قاعدة في الخلف، ساكتة تمامًا.
ثم قالت فجأة
ماما إحنا مش لازم نروح بيت أحمد.
التفتنا إليها.
ليه؟
قالت
عشان الراجل اللي كان بيتابعني كان واقف قدام بيت أحمد.
سكتنا.
أحمد أخرج هاتفه واتصل بحارسه الشخصي.
عايزك تراجع كاميرات بيتي فورًا.
ثم أعطاه عنوان المنزل.
بعد أقل من دقيقة، جاء الرد.
وجه أحمد تغير.
في حد دخل البيت فعلًا.
شعرت بقشعريرة.
مين؟
الكاميرات اتقطعت من ساعتين.
ملك أمسكت إيدي.
ماما، أنا خايفة.
ضممتها إليّ.
أحمد قال بهدوء
مش هنروح البيت.
ثم شغّل السيارة واتجه إلى مكان آخر.
هنروح مكان محدش يعرفه.
سألته
فين؟
مخزن قديم تابع لعيلتي. مقفول من أكتر من عشر سنين.
بصيت له بشك.
إنت متأكد إن محدش يعرفه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
الشخص اللي بيدور علينا غالبًا يعرف حاجات كتير عن عيلتي بس المكان ده مش موجود في أي سجل إلكتروني.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلنا إلى مبنى قديم خارج وسط المدينة.
نزل أحمد وفتح بابًا معدنيًا بمفتاح صغير.
دخلنا.
كان المكان مظلمًا، مليئًا بصناديق قديمة.
ملك جلست على كرسي وأنا بجانبها.
أحمد أشعل الأنوار.
ثم قال
هنا هنكون بعيدين عن أي حد.
لكن بمجرد ما قال الجملة
سمعنا صوت هاتف يرن.
ليس هاتف أحمد.
ولا هاتفي.
هاتف قديم كان موضوعًا فوق أحد الصناديق.
رن مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
أحمد اقترب منه.
كانت الشاشة تعرض رقمًا واحدًا
مريم.
نظرت إليه بصدمة.
ده مش رقمي.
أحمد رفع الهاتف.
ضغط إجابة.
لم يتكلم أحد.
ثم جاء صوت أخي
مريم لو وصلتي للمخزن، يبقى أحمد معاك.
أحمد شد على الهاتف.
إنت فين؟
جاء الرد
بعيد.
ليه مخبي نفسك؟
لأني بحاول أحميكم.
ثم صمت أخي لحظة.
وقال
أحمد، اسمعني كويس.
أنا سامع.
أبوك مش أخطر شخص في القصة.
أحمد عقد حاجبيه.
أمال مين؟
الصوت انخفض.
الشخص اللي كان بيحرك أبوك موجود معاكم دلوقتي.
سكت الجميع.
أنا بصيت حولي.
أحمد بدأ ينظر إلى أركان المخزن.
إنت بتقول إيه؟
أخي قال
مريم خلي ملك بعيد عن أي صندوق أو ملف في المكان.
نظرت ناحية ملك.
كانت واقفة بجوار رف خشبي.
ملك! تعالي هنا.
لكنها لم تتحرك.
كانت تنظر إلى صندوق صغير في الأرض.
ثم قالت
ماما الصندوق ده عليه اسمي.
تقدمت نحوها بسرعة.
وفعلًا
على الصندوق كان مكتوبًا بخط واضح
ملك.
أحمد جاء بجانبنا.
فتح الصندوق.
لم يكن بداخله مال.
ولا مستندات.
كان فيه دفتر صغير، وصورة، ومفتاح.
أمسكت الصورة.
كانت صورة لي وأنا أحمل ملك وهي رضيعة.
لكن خلفنا في الصورة كان يقف شخص آخر.
رفعت الصورة ناحية الضوء.
ثم شهقت.
ده
أحمد أخذها مني.
حدق فيها.
وقال
ده أبوي.
لكن أخي كان لا يزال على الهاتف.
وفجأة قال
لا.
توقف أحمد.
إيه؟
ده مش أبوك.
ثم جاء صوته المرتجف
ده الشخص اللي كنت بحاول أوصلكم له من سنين.
سأله أحمد
مين؟
لم يجب.
لأن الخط انقطع.
وفي اللحظة نفسها
انغلق باب المخزن من الخارج.
ثم سمعنا صوت مفتاح يدور في القفل.
أحمد اتجه للباب.
لكن قبل ما يلمسه، ظهرت رسالة على الهاتف القديم
دلوقتي عرفتوا ليه ملك كانت لازم تيجي هنا.
ثم ظهرت صورة جديدة.
صورة لملك وهي داخل المخزن
ملتَقطة منذ أقل من دقيقة.
تجمدت.
لأن الصورة لم تكن ملتقطة من الخارج.
كانت ملتقطة من داخل المخزن.
وهذا يعني أن الشخص الذي يراقبنا
لم يكن بعيدًا عنا أصلًا بمجرد ما استوعبت إن الصورة اتصورت من جوه المخزن، سحبت ملك ناحيتي.
أحمد وقف قدامنا، وبص حوالين المكان.
محدش يتحرك.
كان صوته هادي، لكن عينيه كانت بتفتش كل زاوية.
فجأة سمعنا صوت حركة فوقنا.
ثم صوت صندوق بيتزحلق.
رفع أحمد عينيه للسقف.
في طابق فوقنا.
قلت
إحنا دخلنا من الباب ده بس.
عارف.
اتجه ناحية سلم حديدي صغير في آخر المخزن.
وقبل ما يطلع، سمعنا صوت طفلتي
أحمد
التفت.
ملك كانت بتبص لصورة في إيدي.
إيه؟
أشارت إلى الرجل الواقف خلفي في الصورة.
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
اتسعت عيناي.
فين؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
في المستشفى.
سألتها بسرعة
أي مستشفى؟
المستشفى اللي اتولدت فيها.
نظرت إلى أحمد.
ده مستحيل. ملك كانت رضيعة.
ملك هزت رأسها.
مش وأنا صغيرة.
سكتت لحظة.
شفته في صورة عند الدكتورة.
أحمد اقترب منها.
دكتورة مين؟
الدكتورة اللي كانت بتكشف عليا وأنا صغيرة.
ثم أضافت
وكانت بتقول لماما إنها لازم تحتفظ بالملف.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت حقيبتي وأخرجت الأوراق الطبية القديمة التي كنت أحتفظ بها.
بدأت أقلبها.
ثم وجدت اسم الطبيب.
د. نادر فؤاد.
أحمد أخذ الورقة.
الاسم ده موجود في الملف اللي لقيناه.
نظرت إليه.
يعني إيه؟
يعني إن الدكتور كان جزء من القضية القديمة.
وفجأة
سمعنا صوت باب يُفتح في الطابق العلوي.
أحمد أشار لنا بالابتعاد.
ثم صعد السلم.
سمعنا خطواته فوقنا.
ثوانٍ مرت.
ثم سمعنا صوت ارتطام قوي.
صرخت
أحمد!
لم يرد.
تركت ملك لحظة وبدأت أصعد.
لكن قبل أن أصل إليه، ظهر أمامي شخص عند نهاية السلم.
تراجعت.
كان رجلًا في الخمسينات.
وجهه هادئ.
وفي يده ملف.
نظر إليّ وقال
مريم.
همست
دكتور نادر؟
ابتسم.
كنت عارف إنك هتفتكريني.
إنت عملت إيه بأحمد؟
أشار خلفه.
هو بخير.
ثم قال
أنا مش عدوك.
ضحكت بمرارة.
كل الناس اللي قالتلي كده طلعت بتخبي حاجة.
نظر إلى ملك.
ثم قال
بس أنا الوحيد اللي عنده الحقيقة كاملة.
أحمد ظهر من خلفه فجأة.
كان سليمًا.
أمسك ذراع الرجل.
ابعد عنها.
الدكتور لم يقاوم.
قال فقط
قبل ما تعمل أي حاجة اسمعني.
أحمد لم يتركه.
اتكلم.
نظر إليّ الدكتور.
ملك ما كانتش مجرد طفلة في الملف.
شعرت بالقلق.
يعني إيه؟
والدك كان شاهدًا على عملية تزوير كبيرة.
ثم نظر إلى أحمد.
والدك كان أحد الأشخاص اللي كانوا بيحاولوا يخفوا الأدلة.
أحمد شد على فكه.
وأنت؟




