روايات وققص

انت وسيم

مريم، خدي ملك وروحي مكتبي الداخلي.
هزيت رأسي، لكن قبل أن أتحرك، قالت ملك
بابا أحمد؟
توقفت.
أحمد كمان توقف.
ملك رفعت عينيها له وقالت بكل براءة
إنت هتفضل معانا؟
نظر إليها للحظة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
آه.
ابتسمت ملك.
كويس.
لكنني لم أستطع الابتسام.
لأنني كنت أفكر في شيء واحد فقط.
مين الشخص اللي بيقول إن أبو ملك مش ميت؟
بعد دقائق، كنا داخل المكتب الداخلي.
أحمد وقف أمام شاشة المراقبة.
كان يتابع الكاميرات واحدة تلو الأخرى.
الممرات.
المصاعد.
السلالم.
المدخل.
كل شيء طبيعي.
ثم فجأة
توقفت الصورة.
قال أحمد
استني.
رجع التسجيل عشر ثوانٍ.
ثم عشر ثوانٍ أخرى.
ظهر رجل في نهاية الممر.
ملامحه غير واضحة.
لكن في يده شيء صغير.
صورة.
أحمد قرب الشاشة.
أنا اقتربت بجانبه.
وفجأة قلت
دي الصورة.
أي صورة؟
الصورة اللي كانت في الظرف.
نظر إليّ.
ثم إلى الشاشة.
إنتِ متأكدة؟
أيوه.
الرجل رفع الصورة أمام الكاميرا.
وفي نفس اللحظة، ظهرت صورته بوضوح للحظة واحدة.
ثم اختفى.
أحمد اتصل بالأمن.
اقفلوا المصعد الشرقي حالًا.
بعد أقل من دقيقة، جاء صوت مدير الأمن في اللاسلكي
أستاذ أحمد المصعد الشرقي اتحرك بالفعل.
لأي دور؟
صمت الرجل.
ثم قال
الدور السادس.
أحمد نظر إلى لوحة المبنى.
الدور السادس كان
الأرشيف القديم.
قال أحمد
مريم، إنتِ عمرك دخلتي الأرشيف ده؟
هزيت رأسي.
لأ.
حد كان عنده وصول ليه؟
فكرت.
ثم شعرت ببرودة تسري في جسمي.
أخويا.
أحمد التفت إليّ فورًا.
إيه علاقة أخوكي بالأرشيف؟
كان شغال في الشركة القديمة اللي اشترتها مجموعتك من سنين.
سكت أحمد.
ثم قال
إذن كل اللي بيحصل مش عشوائي.
أمسك سترته.
إحنا لازم ننزل.
اعترضت
وأنا؟
إنتِ وملك هتفضلوا هنا.
لكن ملك اعترضت فورًا
لأ.
نظر إليها أحمد.
ليه؟
قالت
أنا عارفة مكان الورقة.
تجمدنا.
اقتربت منها.
ورقة إيه يا ملك؟
الورقة اللي الراجل حطها في شنطتك.
اتسعت عيناي.
شنطتي؟
هزت رأسها.
آه.
فتحت حقيبتي بسرعة.
فتشت كل شيء.
كتب.
محفظة.
مفاتيح.
هاتف.
ولا شيء.
قلت
مفيش ورقة.
ملك أشارت إلى الجيب الداخلي.
هنا.
فتحته.
وفي قاعه، كان هناك ظرف أبيض صغير.
لم أره من قبل.
أحمد أخذه بحذر.
فتحه.
وفي داخله
كان هناك مفتاح معدني قديم.
وتحته ورقة قصيرة
المفتاح ده يفتح المكان اللي بدأ منه كل شيء.
على ظهر الورقة كان عنوان.
عنوان منزل قديم في نيويورك.
نظرتإليه.
ثم شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
أنا أعرف المكان ده.
أحمد سأل
فين؟
همست
ده البيت اللي كنت عايشة فيه قبل ما أولد ملك.
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار جديد إلى هاتف أحمد.
صورة للبيت.
والباب الأمامي مفتوح.
وتحتها جملة واحدة
وصلتوا متأخر.
أحمد نظر إليّ.
ثم إلى ملك.
وقال بهدوء
مريم حد كان مستني إننا نروح هناك من البداية.
لكن ما لم نعرفه وقتها
أن المفتاح لم يكن للبيت.
كان لقبو البيت.
وفي القبو كانت توجد إجابة واحدة فقط
عن الشخص الذي ظل يراقبنا طوال هذه السنوات وصلنا إلى البيت بعد أقل من ساعة، وسط إجراءات أمنية مشددة من أحمد.
كان منزلًا قديمًا في شارع هادئ، واجهته مغطاة بطبقة من الغبار، والنوافذ مغلقة منذ سنوات.
وقفت أمامه وأنا أشعر أنني أرى جزءًا من حياتي دفنته بنفسي.
ملك كانت ماسكة إيدي.
أما أحمد فكان واقفًا أمام الباب، ينظر إلى القفل.
أخرج المفتاح.
وأول ما أدخله في القفل
سمعنا صوت طقطقة خافتة.
فتح الباب.
لكن الغريب أن الباب لم يكن مقفولًا أصلًا.
كان مفتوحًا.
أحمد رفع يده يمنعنا من الدخول.
دخل وحده أولًا.
بعد ثوانٍ قال
مفيش حد.
دخلت وأنا أنظر حولي.
كل شيء كان كما أتذكره تقريبًا.
الأثاث القديم.
الدرج الخشبي.
والساعة المعلقة على الحائط.
ملك فجأة وقفت.
ماما.
نعم؟
أشارت إلى الحائط.
الصورة دي شبه الصورة اللي عند أحمد.
اقتربت.
وفعلًا
كانت هناك صورة قديمة لعائلتي.
لكن في الصورة كان هناك شخص لم أره من قبل.
رجل يقف في الخلف.
وجهه غير واضح.
أحمد أخرج هاتفه وصور الصورة.
ثم قال
مريم، إنتِ متأكدة إنك عمرك ما شوفتي الشخص ده؟
هزيت رأسي.
لا.
اقترب أكثر.
طب مين كان ساكن هنا غيرك؟
أنا وأخويا.
سكت.
ثم قال
أخوك كان اسمه إيه؟
قلت الاسم.
وفي اللحظة نفسها، تغير وجه أحمد.
إنتِ متأكدة؟
طبعًا.
أخرج هاتفه، وفتح ملفًا قديمًا كان يحتفظ به.
ثم وضعه أمامي.
كان فيه تقرير عن حادث اختفاء قديم.
والاسم الموجود في أعلى الصفحة
كان اسم أخي.
شهقت.
إنت عندك الملف ده ليه؟
أحمد قال
لأن الملف ده كان جزء من قضية استحواذ على الشركة القديمة.
قلبت الصفحات بسرعة.
ثم توقفت.
في آخر صفحة كانت هناك صورة لمستند.
مكتوب عليه
صندوق الأمانات رقم 17.
وتحتها توقيع أخي.
نظرت إلى أحمد.
يعني هو كان مخبي حاجة.
أيوه.
ملك سحبت إيدي.
ماما، أنا لقيت باب.
التفتنا إليها.
كانت واقفة عند مكتبة قديمة.
وراءها باب صغير لم أره طوال السنوات التي عشت فيها في هذا البيت.
اقترب أحمد.
فتح الباب.
سلم ضيق نازل إلى الأسفل.
كان الظلام في آخره كثيفًا.
قال أحمد
خليكي ورايا.
نزلنا.
درجة
ثم درجة
ثم درجة.
وفي النهاية وصلنا إلى قبو واسع.
كان هناك صندوق معدني كبير في المنتصف.
وعليه رقم
17
وقفت مكاني.
أحمد قال
واضح إننا لقينا اللي كنا بندور عليه.
لكن الصندوق لم يكن مقفولًا.
كان مفتوحًا.
وفارغًا.
إلا من ورقة واحدة.
أخذها أحمد.
قرأها.
ثم رفع عينيه إليّ.
مريم
إيه؟
ناولني الورقة.
وكان مكتوبًا
لو وصلتي للصندوق، يبقى هو عرف إنك وصلتي للحقيقة.
وتحت الجملة اسم واحد.
اسم لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات.
اسم جعلني أجلس على أقرب كرسي وأنا لا أصدق.
ملك سألت
مين ده يا ماما؟
لم أستطع الرد.
أحمد هو الذي قرأ الاسم بصوت منخفض
سامح.
وفجأة
انغلقباب القبو خلفنا.
ملك صرخت.
أحمد اندفع ناحية الباب.
لكن قبل أن يصل إليه، أضاءت شاشة صغيرة كانت مخفية في الحائط.
ظهر عليها تسجيل لرجل يجلس في الظلام.
كان وجهه نصف مخفي.
وقال
مريم لو بتتفرجي على التسجيل ده، يبقى خلاص لازم تعرفي الحقيقة.
اقتربت من الشاشة.
الصوت كان مألوفًا.
لكن الصورة لم تكن واضحة.
ثم قال الرجل
ملك مش هي السبب في اللي حصل.
سكت لحظة.
ملك هي المفتاح.
أحمد شد على قبضته.
والرجل أكمل
والحقيقة اللي إنتِ هربتي منها سنين موجودة في المكان الوحيد اللي عمرك ما فكرتي تدوري فيه.
ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.
صورة لي
وأنا شايلة ملك وهي رضيعة.
وتحت الصورة تاريخ.
التاريخ كان قبل اليوم الذي كنت أعتقد أن ملك وُلدت فيه.
اتسعت عيناي.
مستحيل
أحمد نظر إليّ بصدمة.
مريم التاريخ ده معناه إن فيه حاجة في قصة ملك إنتِ نفسك مش عارفاها.
وفي نفس اللحظة
انطفأت الشاشة.
ثم سمعنا صوت خطوات فوقنا.
شخص ما كان داخل البيت.
وكان ينزل السلم ببطء.
ملك قربت مني.
وأحمد وقف بيننا وبين السلم.
ثم جاء صوت الرجل من الأعلى
مريم افتحي الباب.
كان صوت سامح.
لكن هذه المرة
لم يكن وحده اتجمدنا جميعًا.
صوت خطوات أخرى كان واضحًا خلف سامح.
أحمد بصّ لي بسرعة وقال
خلي ملك وراكي.
حطيت دراعي حوالين بنتي.
إحنا مش هنعمل حاجة غير لما نعرف مين اللي فوق.
لكن سامح رد من خلف الباب
مريم، اسمعيني. لو فتحتِ الباب دلوقتي، كل حاجة هتنتهي من غير ما حد يتأذى.
أحمد رفع صوته
إنت مين اللي معاك؟
صمت.
ثم جاء صوت رجل آخر
أحمد الدمنهوري.
تغير وجه أحمد فورًا.
كان واضحًا أنه يعرف الصوت.
عمي؟
شهقت.
لم أفهم.
عمك؟
أحمد لم يرد.
ثم جاء الصوت من أعلى السلم
أيوه أنا.
بدأت خطواته تقترب.
ظهر رجل في أواخر الستينات، مرتديًا معطفًا أسود، وخلفه سامح.
لكن المفاجأة لم تكن في ظهوره.
كانت في أن أحمد نفسه تراجع خطوة.
لأول مرة منذ عرفته، رأيت الخوف في عينيه.
قال الرجل
كان المفروض إنك ما تعرفش حاجة عن الملف ده يا أحمد.
أحمد رد بحدة
إنت اللي كنت بتحرك كل حاجة من ورايا؟
كنت بحمي اسم العيلة.
ضحكت بسخرية رغم خوفي.
اسم العيلة؟ وإيه علاقة بنتي بالموضوع؟
نظر الرجل إلى ملك.
ثم قال
كل العلاقة.
ضممت ملك أكثر.
متقربش منها.
رفع يده.
أنا مش جاي آخدها.
سامح قال بهدوء
إحنا جايين نقول الحقيقة.
أحمد تقدم خطوة.
الحقيقة اللي أخفيتوها عشر سنين؟
الرجل الأكبر تنهد.
الحقيقة بدأت قبل ما ملك تتولد.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته.
رماه على الأرض أمامنا.
انفتح الملف.
كانت بداخله أوراق كثيرة.
تقارير.
صور.
أسماء.
وتواريخ.
انحنيت والتقطت أول ورقة.
قرأت الاسم الموجود عليها.
ملك مريم عبدالسلام.
وتحت الاسم
شاهد رئيسي في قضية اختلاس وتلاعب مالي.
رفعت عيني بصدمة.
ملك؟!
سامح قال
هي ما تعرفش حاجة، طبعًا.
ثم نظر إليّ.
لكن لما كانت رضيعة، اتسجل اسمها في ملف القضية لأن والدك كان من الشهود الأساسيين.
توقفت أنفاسي.
أبويا؟
أومأ.
أبوك كان عنده مستندات تدين ناس كبار.
أحمد أخذ الملف.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
ثم توقف عند صورة.
كانت صورة والدي.
وبجانبه
أخي.
قلت بصوت مرتعش
إنتوا قلتوا إن أخويا اختفى.
سامح أجاب
اختفاؤه كان تمثيلية.
رفعت رأسي.
يعني هو عايش؟
صمت سامح.
الصمتوحده كان إجابة.
شعرت أن قلبي سيتوقف.
فينه؟
الرجل الكبير قال
كان هو اللي بيحاول يحميكم.
ملك رفعت رأسها وسألت
هو خالو؟
نظرت إليها.
ولأول مرة منذ سنوات، لم أعرف ماذا أقول لطفلتي.
وفجأة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى