عام

بعد جوازنا بثلاث أيام

وملت راسي سنة وسألته:
“قوللي يا أحمد… كنت ناوي تربيها إزاي؟”

وشه اتغير للحظة، كأنه حس إن في حاجة مش طبيعية.
لكن غروره رجعه تاني…شتم شتيمة قذرة، ثبت رجليه في الأرض، ورفع إيده بكل قوته عشان يضربني…

وكان فاكر إن دي اللحظة اللي هيكسر فيها شخصيتي للأبد.
بس أحمد ماكنش يعرف إن الست الهادية اللي قدامه، واللي شغالة محللة مالية في شركة كبيرة…

كانت مخبية سر واحد…سر كفيل إنه يدمر حياته كلها.
وخلال أقل من ثانيتين…كان هيكتشف الحقيقة بنفسه.
#حكايات_منـي_السيـد

إيده فضلت معلقة في الهوا، كأنها اتسمرت في مكانها وهو شايفني واقفة قدامه ثابتة كأن السفرة اللي اتكسرت دي مجرد ترابيزة بيتي بيتنضف. نظرة الاستهانة والغرور اللي كانت في عينه بدأت تتزعزع، وحل محلها استغراب حائر.. كأن عقله مش قادرة تستوعب رد الفعل ده. الطبيعي بالنسبة لشخص زيه، شخص اعتمد طول عمره على الصوت العالي والعنف عشان يفرض سيطرته، إنه يشوف الخوف في عيون اللي قدامه، يشوف دموع الاستسلام والرجاء. لكن إنه يلاقي ابتسامة هادية وبرود مخيف.. دي حاجة مكنش عامل حسابها أصلًا.

نزلت إيده ببطء، وابتسامته المستفزة اتحولت لتعبيشة وش مليانة غضب مكتوم وخوف خفي مش عارف يخفيه. بلع ريقه بصعوبة وهو بيبص حواليه على الأكل اللي مالي الأرض، وكأن الشجاعة اللي كان لسه مستقوي بيها بتتسرب منه نقطة بنقطة.
– إنتِ.. إنتِ مجنونة؟ بتضحكي على إيه يا بت؟! هو إنتي فاكرة إن جوزك بيتهز ولا بيخاف من نظراتك الهبلة دي؟!
صوته كان عالي، بس كان واضح فيه رعشة خفيفة، رعشة الشخص اللي بيكتشف فجأة إنه دخل معركة خسرانة وهو لسه مابتداش.
بصيتله وأنا مستمرة في الابتسامة، وخطيت خطوة واحدة ناحيته.. خطوة خلته هو اللي يتراجع لورا غصب عنه، كأن كعب جزمي على السيراميك بيخبط في أعصابه.

– مجنونة؟ جايز.. بس الغريب إن اللي قدامك ده مش مجنونة، ده الشخص اللي هيخليك تندم على كل دقيقة وكل ثانية فكرت فيها إنك ممكن ترفع صوتك في البيت ده، فضلاً عن إنك تمد إيدك.
رفع صباعه تاني وحاول يسترد هيبته المزعومة، وقال بصوت حاد:
– بيتك؟! ده بيتي أنا كمان! أنا جوزك يا هانم! يعني العفش ده،  دي، وكل اللي فيها تحت أمري، وبكرة أكتبه باسمي وأوريكِ العين السمرة!

ضحكت ضحكة قصيرة, صوتها طلع هادي وواضح في المطبخ الواسع، ضحكة نزلت على دماغه زي الصاعقة.
– تكتبه باسمك؟ بجد يا أحمد؟ طيب كويس أوي إنك فتحت السيرة دي عشان نتكلم على النور وبدون قناع العريس المثالي اللي كنت لابسها تلات شهور الخطوبة.. اسمعني بقى كويس، وبطل هز إيدك دي عشان ما أكسرهالكش. الشقة دي مسجلة في الشهر العقاري باسمي أنا.. وحدي.. من خمس سنين، يعني قبل ما أعرف اسمك أصلاً، وقبل ما تقف قدامي بالبدلة اللي أنا أصلاً اللي دفعت نص ثمنها في تجهيزات الفرح عشان منظر قدام أهلك!
وشه اصفرّ فجأة.. الدم فار في دماغه بس الخوف مسك لسانه. فتح بوقه عشان ينطق بس مجابش غير صوت خشن مش مفهوم.

– مستغرب؟ مفكر إن الست اللي بتنزل الصبح بدري ترجع بالليل مهدودة الحيل، شطارتها مقصورة على طبخ الأكل اللي بتطلبه بالدقيقة؟ مفكر إن شغلي كمحللة مالية في واحدة من أكبر شركات الاستثمار في البلد ده مجرد وظيفة عادية بتقبض منها قرشين وخلاص؟ إنت شكلك متعرفش أنا بشتغل إيه، ولا مين الناس اللي بيمروا تحت إيدي كل يوم، ولا حتى الملفات اللي أقدر أفتحها بكلمة واحدة على اللاب توب بتاعي!

قربت منه أكتر لحد ما بقيت سامعة صوت أنفاسه السريعة المتوترة.
– أحمد.. يا حبيبي.. إنت مفكر إنك دخلت العش الهادئ عشان تتحكم وتأمر وتنهي؟ المفاجأة بقى إنك دخلت القفص.. بس مش إنت السبع اللي جواه، إنت الفار اللي دخل المصيدة برجليه، وباب المصيدة اتقفل، والمفتاح معايا أنا.
حاول يتظاهر بالقوة وقال بصوت  بس بيحاول يعليه:
– إنتِ بتهدديني؟! أنا جوزك! يعني القانون في صفي، والشرع بيقول والطاعة والزفت..
قاطعته بنبرة حاسمة وصارمة قطعت كلامه في نص حروفه:

– الشرع بيقول “إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”، ومش من الشرع ولا من الدين إن راجل يقل بأصله على مراته عشان الأكل اتأخر عشر دقايق بسبب المطر! وبعدين، متكلمنيش عن القانون.. لأن بحكم شغلي، أنا عارفة كل ثغرة مالية وقانونية في البلد، وعارفة كمان حجم الديون اللي كانت على ورشتك أو شركتك الصغيرة، واللي أنا بنفسي وافقت أساعدك فيها وأسكت عليها وقت الخطوبة عشان كنت مديالك أمان مزيف!
الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير. أحمد فتح عيونه على آخرها وبصلي وكأنه بيشوف شيطان مش مراته اللي لسه متجوزها من تلات أيام. ملامحه اتغيرت من الغضب الشرس للرعب الصريح.
– إنتِ.. إنتِ كنتي تعرفي؟!
– كنت عارفة كل حاجة.. كنت شايفة كل خطوة، ومراقبة كل كذبك، وساكتة.. عارف ليه؟ عشان كنت عايزة أشوف لغاية هتوصل، وعايزة أكتشف القناع هيوقع امتى. وادي القناع وقع، وفي أقصر وقت ممكن.. تلات أيام بس! تسلم إيدك والله، ريحتني من تعب سنين في إني أخمن إنت مين بجد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى