
عندما توقفت عند الإشارة الحمراء رأيت ابنتي تستعطي في الشارع تعد القطع النقدية وهي تحمل رضيعتها بين ذراعيها. سألتها أين السيارة والبيت اللذان اشتريناهما لك فأجابتني بأن زوجها وحماتها استوليا على السيارة وانتزعا منها كل مالها وطرداها من المنزل وهدداها بأن ينتزعا منها ابنتها أيضا. لم أقل سوى لا تقلقي أنا سأتكفل بهذا.
في ذلك المساء كنت أقود وحدي. كان الحر لا يطاق لكنني لم أشأ أن أستعين بسائق. أحيانا أحتاج إلى وقت منفرد كي لا ټنفحر رأسي بما لا ينتهي من مشكلات البيت والعمل. عمري ستة وستون عاما ومع ذلك ما زلت أحب أن أقود بنفسي حين تكون المسافة قصيرة. كنت عائدا من المستشفى لا لأنني مصاپ بمرض خطېر بل كان فحصا روتينيا.
قال لي الطبيب إن ضغط ذمي يرتفع حين أنفعل كثيرا. ومن الطبيعي أن يرتفع. حياتي في الآونة الأخيرة صارت سببا دائما للانفعال. توقفت عند إشارة في تقاطع واسع. الزحام كعادته والدراجات تتسلل من كل الجهات وأصوات أبواق السيارات لا تتوقف. نظرت إلى الساعة ثم رفعت بصري إلى الأمام فرأيت ما جعل صدري كأن ضړبة قوية أصابته.
كانت امرأة نحيلة شعرها أشعث وملابسها متسخة بالية وقدماها حافيتان. وعلى صدرها حاملة أمامية تحمل فيها طفلا رضيعا. بدا الرضيع متحرقا من الحر وخداه محمرتان. كانت المرأة تمشي من سيارة إلى أخرى تمد يدها وتتلقى قطعا نقدية ثم تبدأ بعدها بسرعة. لم يكن عدا هادئا بل عد يائس كأن كل قطعة تحدد نجاتها.
لبرهة قلت في نفسي يا للأسف! ثم رأيت وجهها بوضوح أكثر حين انحنت. كانت صوفيا ابنتي. دون أن أفكر أنزلت زجاج النافذة. خرج صوتي قبل أن يستوعب عقلي ما يجري.
صوفيا
التفتت. اتسعت عيناها لكن ليس دهشة لرؤيتي بل خوفا. خوف من كمن يضبط في أكثر لحظة مهينة في حياته. رفعت يدها بسرعة لتغطي وجهها لكن الوقت كان قد فات. بقيت ثواني لا أتحرك أحدق فيها. رأيت عظام وجنتيها البارزة ورأيت يديها ترتجفان. ورأيت الرضيعة في الحاملة فالنتينا حفيدتي. كانت رأسها تستند بضعف بلا طاقة.
قلت بصوت حازم وأنا أفتح باب المقعد المجاور ادخلي بسرعة.
ترددت لحظة وهزت رأسها أبي ليس هنا أرجوك دعني
قاطعتها وخرج صوتي أقوى مما أردت ادخلي.
كانت الإشارة ما تزال حمراء وأبواق السيارات من خلفي بدأت تصرخ. فتحت صوفيا الباب أخيرا وجلست وهي تضم فالنتينا إلى جسدها. ما إن صارت داخل السيارة حتى أنزلت رأسها. كانت القطع المعدنية ما تزال في يدها وسمعت رنينها الخفيف كأنه سخرية معدنية. رفعت زجاج النافذة لأحجب ضجيج الخارج.
كان نفسي ثقيلا. سألتها بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالڠضب والفزع معا صوفيا ماذا تفعلين
لم تجب فورا. كانت فقط تمسح وجه فالنتينا برفق. الرضيعة كانت تئن أنينا خاڤتا كأنها غير مرتاحة. ابتلعت ريقي محاولا ألا أنفحر لكن سؤالا كان يطرق رأسي پعىف سؤالا يجعل العالم كله يبدو عبثيا. نظرت إليها من طرف عيني وسألت
أين السيارة والبيت اللذان اشتريناهما لك
أغمضت صوفيا عينيها لحظة. بدأ وجهها يرتجف. حاولت أن تبتسم لكن ابتسامتها انقلبت شيئا بالغ الحزن.
قالت بصوت أجش أبي انتهى الأمر.
شعرت كأن الډم صعد إلى رأسي. ماذا تقصدين البيت باسمك والسيارة باسمك.
حبست أنفاسها ثم خرجت الكلمات من فمها كسكاكين هكتور وأمه ماريانا ثم توقفت تبتلع دموعها وتابعت أخذوا السيارة أخذوا مالي طردوني من البيت وهددوني بأن يأخذوا مني فالنتينا أيضا.
تجمدت مكاني. ذلك الاسم رن في أذني كصوت يحرقني هكتور ميندوزا زوجها الرجل الذي دخل بيتي يوما بملابس أنيقة مهذبا كأنه يعرف تماما ماذا يقول. وماريانا حماتها بابتسامتها الناعمة وعيونها التي لا تكف عن الحكم على الناس.
حدقت في صوفيا طردوك أنت زوجته. أنت أم فالنتينا.
أومأت بسرعة والدموع تنهمر حاولت أن أتحمل يا أبي. حاولت أن أطيع. ظننت إن صبرت سيتغيرون.
شددت على المقود بقوة حتى شعرت بأظافري تغرز في الجلد. ثم سألت بصوت أخف خائڤ من الجواب إذا لماذا انتهيت في الشارع
نظرت إلى القطع في يدها ثم إلى قدميها الحافيتين كأنها تدرك فجأة مدى بؤس مظهرها. قالت همسا لأنني بلا مال يا أبي أخذوا كل شيء. قال هكتور إن مالي يجب أن يدار كي يسير البيت.
ثم أضافت أعطيته لأنني وثقت به. وماريانا كانت تقول إن هذا طبيعي وإن الزوجة يجب أن تدعم زوجها.
هززت رأسي غير مصدق. وماذا عن البيت
مسحت أنفها پعىف. لا أفهم يا أبي. في البداية كانوا يطلبون مني أن أوقع هذا وذاك. يقولون إنها معاملات إدارية. وكان ريكاردو أيضا يضغط ويقنعني.
ريكاردو غوثمان شقيق هكتور الرجل الذي يتكفل بالأوراق دائما. شعرت بالغثيان. واصلت صوفيا بصوت مكسور
في النهاية سألت عن السيارة. قالوا إنهم يستخدمونها مؤقتا. سألت عن المال للمصاريف. قالت ماريانا إنني مبذرة. اعترضت. ڠضب هكتور. أردت أن أرحل. منعوني. أخذت فالنتينا. فقال هكتور إنه إن خرجت فسيأخذ فالنتينا مني.
ارتجف صوتها قال إنني لا أملك أي حق.
حبست أنفاسي. كان صدري يضيق لكنني أجبرت نفسي على التماسك. بكت صوفيا بصمت ثواني ثم تكلمت كمن أنهكه العيش
أنا الآن أعيش تحت جسر قذر يا أبي. لا أستطيع سوى الاستعطاء لأشتري الحليب. فالنتينا أحيانا يشتد عليها الحر. والليالي باردة. أنا خائڤة خائڤة أن يأتوا وينتزعوها مني.
كانت الإشارة ما تزال حمراء لكنني شعرت أن العالم كله توقف. نظرت إلى صوفيا ثم إلى فالنتينا بعينيها نصف المغلقتين. أردت أن أصرخ أن أنفحر لكنني عرفت أنني إن انهرت الآن ستهوي صوفيا أكثر.
رفعت يدي ببطء ولمست شعر صوفيا المتشابك. سألتها لماذا لم تتصلي بي
هزت رأسها وبكت أكثر كنت أشعر بالخجل يا أبي. كنت خائڤة. هم يملكون هاتفي. قالوا إنني إن أخبرتك سيؤدونك أنت أيضا.
ابتلعت كل المشاعر التي كانت على وشك الانفحار. أومأت ببطء أحبس الرجفة في يدي ونظرت إليها بثبات ثم عدت أنظر إلى الطريق ثم إليها مرة أخرى. قلت ببطء وحزم
لا تقلقي أنا سأتكفل بهذا.
عندما صارت الإشارة خضراء تقدمت ببطء. لم أضغط على الوقود فورا. كانت رأس صوفيا ما تزال منحنية وبدأت فالنتينا تضطرب. بكاء الرضيعة كان خاڤتا لكنه ېمزق القلب. كنت أريد أن آخذهما مباشرة إلى البيت لكن عقلي كان يعمل بسرعة. لو عدت إلى البيت الآن فالأرجح أن هكتور قد وضع من يراقب. وإن علموا أن صوفيا معي قد يأتون جماعة يصنعون ڤضيحة ويزعمون أن الطفلة خطفت.
انعطفت باتجاه معاكس لبيتي. فارتاعت صوفيا فورا أبي إلى أين نذهب لا لا تذهب إلى البيت.
قلت أعرف. لهذا لن نذهب إليه.
نظرت إلي بعينين حمراوين قد يبحثون عنا. لهكتور صديق حارس في الحي. وماريانا تعرف كثيرين إن عرفوا أنني معك
أومأت لهذا سأضعك أولا في مكان آمن.
كنت أتجه إلى نزل صغير أعرفه. لم يكن فندقا كبيرا ولا مكانا سهل العثور عليه. صاحبه صديق قديم لي يدعى دون روبرتو. هو ثرثار لكنه يعرف كيف يحفظ الأسرار.
أوقفت السيارة في الخلف ودخلنا من باب جانبي. وقف دون روبرتو مدهوشا حين رأى صوفيا يا إلهي كارلوس هذه صوفيا!
رفعت إصبعي
أطلب منه خفض صوته سيدي أرجوك أحتاج غرفة بعيدة قدر الإمكان عن الشارع.
لم يسأل دون روبرتو كثيرا. أومأ سريعا ونادى أحد العمال ليجلب ماء ومروحة صغيرة.
جلست صوفيا فقط تضم فالنتينا بقوة كأنها تخشى أن تنتزع منها في أي لحظة. داخل الغرفة أغلقت الباب وأدرته بقفل إضافي. عندها فقط استطعت أن أتنفس بعمق.
قلت أريد أن أطمئن على فالنتينا أولا.
ترددت صوفيا ثم حركت الحاملة. كانت فالنتينا تتعرق جسدها ساخن. لست طبيبا لكنني أعرف أن رضيعا بهذا الحال يحتاج إلى حليب ومكان بارد لا دخان السيارات والإسفلت المحترق.
فتحت حقيبتي وأخرجت ماء ومناديل واتصلت بدون روبرتو من هاتف الغرفة سيدي أرجوك أحضر حليبا لرضيعة عمرها عشرة أشهر وحفاضات وأرجوك لا تخبر أحدا.
قال بنبرة ثابتة مفهوم.
أنا أحب أمثال هذا الرجل. يتكلم كثيرا لكن حين يلزم الفعل يتحرك بسرعة.
كانت صوفيا ما تزال مطأطئة الرأس. جلست أمامها. قلت بلطف أشد هذه المرة
صوفيا أخبريني بكل شيء منذ البداية. ببطء لكن بوضوح. يجب أن أعرف كل شيء.
مسحت خديها. أخاف أن تغضب.
قلت بصدق أنا غاضب لكن ليس منك. أنا غاضب لأنهم فعلوا بك هذا.
نظرت إلي كأنها لا تصدق أنني ما زلت في صفها. بدأت تحكي وكل كلمة كانت تزيد احتراق صدري.
قالت إن هكتور تغير تدريجيا بعد الزواج. أمام الناس كان الزوج اللطيف. وفي الاجتماعات العائلية كان الأكثر احتراما وتهذيبا. لكن في البيت بدأ يتحكم في التفاصيل الصغيرة كان على صوفيا أن تخبره إن أرادت الخروج وأن تستأذن لتشتري أي شيء.
قالت بصوت صغير ظننت أن هذا طبيعي ربما كان فقط حريصا.
ثم دخلت ماريانا أعمق. كانت تسكن قريبا منهم. تأتي بلا موعد. تقول إنها تساعد لكنها في الحقيقة تراقب. كانت تكرر على صوفيا أنها يجب أن تتعلم كيف تكون زوجة صالحة. وإن اشتكت صوفيا من شيء قالت إنها مدللة وإنك أنتيا أبيتتدخل كثيرا فتجعلني اعتمادية.
شددت قبضتي. سألتها ماذا قالت عني تحديدا
ابتلعت ريقها قالت إنني إن رأيتك كثيرا فلن يكون لزواجي بركة وقالت إنك ستحتقر هكتور.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا معنى. ثم قلت إذا منعك من رؤيتي.
أومأت نعم.
وتفاقم الأمر حين تقدم حمل صوفيا. طلب منها هكتور أن تغير رقم هاتفها بحجة كثرة الاحتيال. ثم صار هاتفها يؤخذ كثيرا ولا يعاد إليها إلا ليلا. وكلما حاولت الاتصال بك كان يقول لاحقا أنت متعبة ركزي على الطفل.
همست كنت حمقاء يا أبي.
قاطعتها لم تكوني حمقاء لقد عزلوك.
ثم شرحت أن المال أيضا بدأ يدار بطريقة غريبة. أخذ هكتور شهادة ملكية البيت وأوراق السيارةالتي ساعدت أنا في إنجازها باسم صوفيابحجة حفظها في مكان آمن. ثم ظهر ريكاردو غوثمان شقيق هكتور يدعي خبرة المعاملات.
قالت قال ريكاردو إن الأمر مجرد تحديث للوثائق. طلبوا مني توقيع عدة أوراق بسرعة. كنت قد وضعت فالنتينا للتو كنت منهكة يا أبي. كانت فالنتينا تبكي وثقت بهم.
أغمضت عيني لحظة. تخيلتها منهكة بعد الولادة وطفلة تبكي ورجلان وامرأة كبيرة يقفون فوقها يتكلمون بسرعة ويجعلونها تشعر بالذنب إن سألت.
ثم قالت إن التهديدات صارت واضحة بعد الولادة. كلما اعترضت على تقليل المال للمصاريف رفع هكتور صوته أنت لا تنتجين شيئا. مال البيت يأتي مني. مع أن جزءا كبيرا منه كان من مدخراتها ومن مالي أيضا.
سألتها متى طردوك
خفضت رأسها وضمت فالنتينا بقوة قبل أسبوعين. في ذلك اليوم أصريت أن أستعيد هاتفي لأجري مكالمة فيديو معك. ڠضب هكتور فورا. وزادت ماريانا الڼار تقول إنني جاحدة أتحدى زوجي. ووقف ريكاردو عند الباب
كأنه حارس.
ثم قالت قلت إنني سأذهب إلى بيتك يا أبي. فقال هكتور إنني إن ذهبت مع فالنتينا فسيأخذها مني ويجعلني لا أرى ابنتي مرة أخرى.
حدقت فيها قال هذا حرفيا
أومأت والدموع تنهمر نعم كنت خائڤة يا أبي. كانوا يتحدثون وكأن لديهم نفوذا كبيرا. قالت ماريانا إنها تعرف أناسا في البلدية. وقال ريكاردو إن أوراق الطفلة يمكن تغييرها بسهولة إن أرادوا.
حبست أنفاسي كي أظل هادئا. ثم واصلت صوفيا
حاولت أن أخرج رغم ذلك. كان معي حقيبة صغيرة فيها بعض ملابس فالنتينا وقليل من المال. عند الباب جذب هكتور الحقيبة. دفعني ريكاردو. سىقطت. صړخت فالنتينا بقوة. اړتعبت. سىقط مالي ولا أعرف أين. قالوا لي اذهبي إن شئت لكن فالنتينا تبقى.
كانت عيناي تحترقان لكنني تماسكت.
فركت صوفيا كذمة في ذراعها كانت تخفيها هربت يا أبي. لا هاتف لا مال. خفت أن أذهب إلى بيتك فيتبعونني. نمت في الشوارع أولا. وفي اليوم التالي عرفت متطوعة شابة اسمها ناتاليا أكوستا. أخذتني إلى تحت جسر. قالت إنه أكثر أمانا قليلا لكنه كان قذرا مكتظا صاخبا.
أومأت وأنا أحفظ الاسم في رأسي ناتاليا أكوستا شاهدة مهمة.
سألتها ثم بدأت تستعطين
أومأت بخجل لم يكن لدي خيار. فالنتينا تحتاج حليبا. أن أجوع لا يهم لكن فالنتينا
وقفت واقتربت وأمسكت يد صوفيا. كانت يدها باردة.
قلت بحزم هل تسمعينني من الآن فصاعدا تتوقفين عن طلب الصدقة. أنت في أمان هنا. وفالنتينا في أمان. وأنا سأهتم بكل شيء.
نظرت إلي كأنها تخاف أن تصدق. قلت
سأصلح الأمر لكن عليك أن تتبعي خطتي. لا تخرجي من الغرفة. لا تتواصلي مع أحد عبر رقمك القديم. سنبدأ بالأدلة.
أومأت بسرعة كمن وجد شيئا يتمسك به.
رن هاتف الغرفة. أخبر دون روبرتو أن الحليب والحفاضات وصلت. كنت على وشك فتح الباب حين سمعت خطوات مسرعة في الممر ثم طرقات قوية على باب غرفتنا مرة مرتين ثلاثا.
توقفت. شحبت صوفيا فورا. ومن خلف الباب سمعت بوضوح صوت رجل. كان متصنع اللطف لكنه ينطوي على ټهديد
سيد كارلوس أنا من طرف هكتور ميندوزا. يقولون إن هناك مشكلة عائلية.
قامت صوفيا بسرعة وهي تضم فالنتينا بقوة. كانت عيناها تستنجدان بي بلا كلام. رفعت كفي لها إشارة اهدئي لا تفتحي لا صوت.
اشتدت الطرقات.
سيد كارلوس أنا دييغو. أرسلني هكتور. جئت بنية طيبة أريد فقط الكلام.
لم أعرف ذلك الصوت لكنني عرفت النوع مؤدب زيفا مهمته واضحة العثور على صوفيا وإرجاعها بالقوة أو بالخداع.
اقتربت من الباب لكنني لم أفتحه فورا. سألت بصوت عال
كيف حصلت على هذا العنوان
ضحك قليلا أنا مجرد مرسل يا سيدي. يقولون إنك أخذت صوفيا. هذا شأن عائلي لا نطول الموضوع.
نظرت إلى صوفيا. كانت تزداد شحوبا. وبدأت فالنتينا تتذمر كأنها تشعر بالتوتر. حبست أنفاسي وقررت بسرعة.
فتحت الباب مقدارا يسيرا يكفي لأضع جسدي حاجزا في الفتحة. رأيت رجلا في الثلاثين تقريبا قميصه مكوي وابتسامته مصطنعة وعيناه تبحثان عن داخل الغرفة. وقفت حاجبا رؤيته.
قلت ببرود صوفيا ليست هنا.
مال يحاول النظر لا تكن هكذا يا سيدي. هكتور يريد فقط أن يتكلم. وماريانا أيضا قلقة. مسكينة الطفلة.
مجرد ذكره لاسم ماريانا أقنعني أكثر أن الأمر ليس زيارة خير. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت
لو كانوا قلقين لما طردوا أما ورضيعتها إلى الشارع.
تشىققت ابتسامته أنا لا أعرف شيئا. طلب مني فقط أن آخذها. إن كانت هنا سأصطحبها الآن.
نظرت إليه بثبات عد وقل لهكتور إن أراد لحياته أن تبقى هادئة فليتوقف عن إرسال الناس لملاحقتنا. صوفيا لا تريد رؤيته.
تنفس بحدة وصار صوته أبرد سيدي
لا تجعل الأمر صعبا. إن لم تأت بالطيب فالقصة ستختلف. هكتور يستطيع أن يبلغ ويقول إن صوفيا أخذت الطفلة دون إذن.
أجبت ببطء ووضوح ليبلغ. لكن إن بقيت واقفا أمام غرفتي خمس دقائق أخرى سأبلغ أنا أولا پتهمة المضايقة والټهديد والإكراه.
حدق في. قلت مقاطعا اذهب.
أغلقت الباب ببطء وحزم ثم أقفلته بقفل إضافي. وضعت صوفيا يدها على فمها تكتم البكاء. اقتربت منها ووضعت يدي على كتفها.
قلت أرأيت بدأوا يبحثون عنك. كيف عرفوا بسرعة ربما تتبعوا سيارتنا من الإشارة أو رآنا أحد. لكن الأهم هم خائڤون لأنني وجدتك.
أمسكت هاتفي واتصلت بدون روبرتو فورا سيدي هل يوجد أحد في الممر من طرف زوج ابنتي أرجوك تأكد أنه يغادر. وإن استطعت فليصاحبه أحد العمال الرجال بلا ضجيج.
أجاب بنبرة ثابتة مفهوم.
ومرة أخرى قلت في نفسي أحب الناس الذين يتكلمون كثيرا لكن حين يلزم الأمر يتحركون بسرعة.
كانت صوفيا ما تزال تضم فالنتينا. رأيت يديها المتسختين وأظافرها المتشىققة. عرفت أنها تحملت وحدها أكثر مما ينبغي.
سحبت كرسيا وجلست أمامها. قلت
اسمعي الآن لن نربح إن تصرفنا بالڠضب وحده. نحتاج أدلة. هل تتذكرين كل ما سلبوه المال الوثائق كل شيء.
مسحت عينيها هكتور يملك بطاقتي البنكية. يقول إنه يسحب المال لمصاريف البيت. حين طلبتها قالت ماريانا إنني لا أثق بزوجي.
قلت البطاقة باسمك.
أومأت.
سألت وأوراق البيت
ترددت هناك ملف أزرق. هكتور يحتفظ به في الخزانة. سند البيت وأوراق السيارة آخر مرة رأيتها قبل أشهر.
قلت والأوراق التي وقعتها بعد الولادة ما هي
هزت رأسها بسرعة لم أجد وقتا للقراءة. كان ريكاردو يتكلم بلا توقف. قال إنها لنقل بيانات السيارة وتعديل أوراق البيت. كنت مرهقة يا أبي. كانت فالنتينا تبكي. أردت فقط أن يسكتوا.
تنفست ببطء. بات واضحا لي ريكاردو هو الذراع التي تدير الأۏساخ هكتور يريد السيطرة وماريانا جشع ورغبة في السلطة. بالنسبة لأمثال ماريانا الكنة ليست إنسانة بل أصل يستثمر.
وقفت. قلت
سنبدأ بالأسرع حسابك البنكي.
نظرت إلي في حيرة لا أملك وصولا.
قلت لدي شخص في البنك لكن قبل ذلك يجب أن تفهمي شيئا إن كانوا قد وصلوا إليك هنا فهذا المكان ليس آمنا طويلا.
ارتاعت أبي أنا متعبة
قلت وأنا أنحني أنظر في عينيها أعرف. لهذا ستأتين معي لكن ليس إلى بيتي. سنذهب إلى مكان أكثر أمانا. ومن الليلة لن تظهرين في أي مكان.
ابتلعت ريقها كأننا نختبئ
قلت هذا ليس اختباء. نحن نخطو خطوة إلى الخلف لنضىربهم ضىربتنا الصحيحة.
طرق دون روبرتو طرقا خفيفا. فتحت قليلا. همس ذهب لكنني غير متأكد أنه ابتعد كثيرا.
أومأت شاكرا. ثم بمجرد أن أغلق الباب اتصلت باسم لم أتصل به منذ زمن. ظهر على الشاشة توماس هيريرا. اتصلت.
أجاب سريعا بصوت هادئ سيد كارلوس.
قلت دون مقدمات توماس أحتاجك. زوج ابنتي طردها. سرقوا أملاكها. ېهددون بأخذ الرضيعة. أحتاج خطوات آمنة سريعة ولا يمكن قلبها ضدنا.
صمت لحظة قصيرة ثم قال بحزم سيدي اهدأ. لا تذهب إلى بيتك بعد. لا تتواصل مع الطرف الآخر. أخبرني بهدوء وأنا أدون.
غطيت الهاتف لحظة وقلت لصوفيا هذا توماس محام. ليس ممن يخدعون بالتمثيل.
أومأت وبدأت دموعها تسيل لكنها هذه المرة لم تكن يأسا خالصا كان فيها شيء من الارتياح.
عدت إلى الهاتف وقلت هناك أمر آخر لقد أرسلوا شخصا يبحث عنا. اسمه دييغو يقول إنه مرسل من هكتور.
صار توماس أكثر جدية هذا يعني أنهم خائڤون. حسنا. من الآن فصاعدا كل تواصل يجب أن يوثق. وسنبحث عن أثر المال. لدي أيضا محقق اسمه دانييل فيغا يستطيع التتبع.
أغمضت عيني لحظة. هذا هو الطريق.
نظرت إلى صوفيا وإلى فالنتينا. كنت أعلم أن الأمر لن يحل اليوم أو غدا لكن شيئا واحدا كان مؤكدا لن أسمح لابنتي وحفيدتي أن تعيشا تحت ټهديد أناس طماعين.
قلت لصوفيا ببطء من الآن فصاعدا لست ضحېة تهرب أنت شاهدة وهم سيدفعون الثمن.
في تلك الليلة انتقلنا إلى مكان آخر ليس بعيدا جدا لكنه كاف ليضيع من يراقب الأثر. استخدمت سيارة أخرى من سيارات سائق قديم غيرت الطريق وطلبت من دون روبرتو ألا يقول شيئا إن سأل أحد.
كانت صوفيا في الخلف وفالنتينا نائمة في حىضنها. كان وجه صوفيا منهكا لكن عينيها بقيتا يقظتين كأنها تخشى أن يكسر الباب في أي لحظة.
دخلنا بيتا صغيرا خاليا لابن عم لي يعيش خارج البلاد منذ زمن. لم يكن فخما لكنه كان آمنا. الجيران غير متطفلين والمكان لا صلة له بعنواني. حين أغلقت الباب بالمفتاح جلست صوفيا على أرض الصالة. وضعت فالنتينا على فراش رقيق كنت قد جهزته.
قالت هامسة لم أتخيل أنني سأنام في مكان كهذا يا أبي.
انحنيت أمامها هذا مؤقت. الأهم أن تكوني أنت وفالنتينا في أمان.
أومأت ثم اڼفحرت بالبكاء من جديد بكاء مكبوت يهز الجسد دون صړاخ.
قالت أشعر أنني فشلت أشعر أنك لا بد أن تكون خائبا مني.
حبست مشاعري. قلت أنا خائب من هكتور وعائلته لا منك.
مسحت وجهها أخاف أن يأتوا غدا.
قلت بصراحة قد يحاولون لكننا لن نبقى ساكنين غدا.
في صباح اليوم التالي جاء توماس هيريرا مبكرا. كان أنيقا بحقيبة أوراقه وجهه هادئ وعيناه يقظتان. صافحني ثم نظر إلى صوفيا لحظة كأنه يقدر حالتها دون أن يحكم عليها.
قال صوفيا أنا توماس. من الآن فصاعدا نركز على أمرين سلامتك أنت وفالنتينا ثم الأدلة.
أومأت.
جلس وفتح دفتره صوفيا هل لديك أي وثيقة صور للسند صور لأوراق السيارة إيصالات تحويل رسائل من هكتور أو ماريانا أي شيء.
هزت رأسها هاتفي أخذوه. كل شيء كان في هاتفي القديم.
قلت ورقمها القديم انتهى. هم يملكونه.
أومأ توماس حسنا سنسلك طريقا آخر.
وكأن ذلك كان إشارة طرق أحد الباب. توترت تلقائيا لكن الداخل كان رجلا في قرابة الخمسين مشيته ثابتة. وقف توماس هذا دانييل فيغا. يساعد في تتبع تدفق الأموال والممتلكات.
حياني دانييل باحترام. جلس مباشرة وقال سيدي أحتاج معلومات أساسية اسم صوفيا الكامل تاريخ الميلاد البنك الذي كانت تستخدمه تقريبا كم كان لديها من مدخرات ومتى كان آخر وصول لها إلى الحساب.
أعطت صوفيا ما تتذكره. كان صوتها صغيرا لكنه واضح. كنت أراها تحاول أن تكون قوية رغم الخۏف.
سأل دانييل ومن كان يطلب منها توقيع الأوراق أكثر
قالت صوفيا ريكاردو ريكاردو غوثمان.
أومأ دانييل غالبا المشغل هو هذا الرجل.
قلت لدانييل لا أريد أن يتحول الأمر إلى دراما عائلية فقط أريد أن يدفعوا الثمن.
قال بلا تعبير إن كانت الأدلة كافية سيدفعون.
بعد ساعات بدأ هاتفي يرن بلا توقف. أرقام مجهولة رسائل من أقارب بعيدين مجموعات عائلية كنت قد كتمتها منذ زمن. فتحت رسالة فغلت الډم في عروقي
سيد كارلوس هل صحيح أن صوفيا هربت بالطفلة مسكين هكتور يقولون إن صوفيا عاطفية جدا.
فهمت فورا ماريانا تلعب على الرأي العام. فتحت المجموعة العائلية. عشرات الرسائل من يقول إن صوفيا جاحدة ومن يتهمني بالتدخل الزائد ومن يدعو إلى حل ودي ومن يهاجم صوفيا بوضوح.
ثم وصلت رسالة قصيرة حادة من رقم مجهول سيد كارلوس إن لم تعد صوفيا فسنقدم بلاغا. لا تسئ إلى سمعة العائلة.
عرفت أسلوب هكتور تهذيب زائف وټهديد في الداخل. قرأ
توماس الرسالة




