
في المطبخ، مسكت صينية الشربات بإيدين بترجف، أخدت نفس عميق، وسميت باسم ربنا.. وخرجت.
أول ما حطيت رجلي في الصالة، العيون كلها اتجهت عليا. رفعت عيني بالراحة، ولقيت أم ياسين بتبصلي بتركيز شديد.. نظرة طويلة، مبهمة، غطت الصالة كلها بسكوت تام، وهزت فنجان القهوة اللي في إيدها وهيا بتبص لمحيطي ولمظهري وللفرق الشاسع بيني وبين ابنها…
خرجت بالصينية، والخطوة كانت أتقل من الجبل. الصالة اللي كانت مليانة بالضحك والتريقة قبل دقايق، بقت فجأة زي المقبرة، سكوت تام ومطبوع على وشوش أهلي كلهم ذهول مشحون بانتظار اللحظة اللي هتنكسر فيها نفسي.
رفعت عيني بالراحة، ولقيت أم ياسين بتبصلي بتركيز شديد.. نظرة طويلة، عميقة ومبهمة، عينيها راحت على ايدي اللي بترجف بالصينية، وبعدين على ملامحي وبشرتي السمرا، ورجعت تبص للصالة ولأهلي وللفرق الشاسع اللي بيني وبين ابنها الشاب الوسيم اللي قاعد جنبها. هزت فنجان القهوة في ايدها بالراحة، والنظرة دي بالذات كانت الإشارة اللي أهلي مستنيينها.
عمي الكبير قرب من أبويا وهمس بصوت واطي بس مسموع للكل: “شفت؟ النظرة دي معناها إن اللعبة خلصت.. أهو القناع وقع من أول دقيقة.”
أمي بصلتي بنظرة ششمت فيها وقالت بصوت خافت أسمعه أنا بس: “إحنا مش قولنا لك من الأول؟ محدش هيوافق بيكي ولا يملى عين الناس دي.. القعدة دي مش هتكمل على خير وأول ما يخرجوا هتبقى مهزلتك على كل لسان.”
أولاد عمي اللي كانوا واقفين عند الباب بدأوا يتبادلوا ابتسامات الشماتة، وكانوا مستنيين القنبلة تنفجر، ومستنيين الست الراقية دي تقف وتقول إن في غلطة أو إن ابنها اتسرع.
في اللحظة دي، أم ياسين لفت رأسها وبصت لـ “ياسين”. بصت في عينيه نظرة أم فاهمة ابنها كويس جداً، وياسين رد على نظرتها بابتسامة هادية وثبات عجيب، وبصلها بعيون مليانة رجاء وحب حقيقي ليا.. نظرة بتقول لها: “دي اللي اختارها قلبي يا أمي.”
الست وقفت بالراحة، والكل حبس أنفاسه.. عمامي استعدوا عشان يسمعوا كلام الاعتذار أو الانسحاب، وأمي غمضت عينيها وهي مستنية كسر خاطري قدامهم.
بس اللي حصل صدم البيت كله وهز أركانه..
أم ياسين قربت مني خطوتين، مدّت ايدها أخدت الصينية من ايدي وحطتها على الترابيزة، وبعدين مسكت ايدي الاثنين بدفء شديد، وبصت في وشي بابتسامة صافية طالعة من القلب، وقالت بصوت عالي وواضح يرن في كل زاوية في الصالة:
“ما شاء الله.. تبارك الله! قمر يا حبيبتي، قمر وعيونك فيها طيبة ونظافة مش موجودة في الدنيا كلها.. يا بخت ابني بيكي يا بنتي، ياسين عرف يختار صح.”
الكلمات دي نزلت كأنها صاعقة على كل الحاضرين. أهلي كلهم اتجمدوا في أماكنهم، عمي فتح بؤه ومش عارف ينطق كلمة، وأمي عينيها اتوسعت بذهول مش قادرة تستوعبه. الضحك والتريقة والشماتة اتحولوا لخرس تام.
أم ياسين لفت لأهلي وقالت بكل رقي واعتزاز: “أنا ابن ياما بنات اتمنوه، بس أول ما حكالي عن أدبها وطيبتها وأصلها، قلت له دي اللي هتكون بنتي قبل ما تكون مراتك.. إحنا جايين ونفسنا نشتري النسب ده ونطلب ايد الدكتورة الهادية دي لابني.”
ياسين ابتسم وبصلي بنظرة أمل ونصر، وأنا دموعي نزلت بس المرة دي مش دموع انكسار، دي كانت دموع الفرحة اللي غسلت كل كلمة جرحتني في البيت ده. أهلي ردوا بالعافية وبكلام متلخبط من هول ، وبدأ أبويا يتكلم بارتباك واضح وهو مش مصدق إن البنت اللي كانوا بيسموها “غير مرغوب فيها” بقت هي اللي العيلة كلها بتتمنى تبقى في مكانها.
لكن وسط كل الذهول ده، كان في عيون تانية في الصالة بتتطير منها شرار الغيرة والحقد، وبدأ مخطط جديد بيترسم في السكت عشان القعدة دي متكملش على خير…




