
ركض طارق العريان نحو السلالم وهو يصرخ بأوامره عبر جهاز اللاسلكي، بينما سارع “فارس” بإغلاق جميع منافذ الفندق. انتشر الحراس لتمشيط الكاميرات، المطابخ، مواقف السيارات، وممرات الخدمة.
توقف المصعد في طابق المغسلة والقبو.
خرجت “مريم” وهي تدفع عربتها دون أن تلاحظ وجود الطفل، حتى سمعت حفيف أقدام صغيرة حافية خلفها.
وعندما التفتت، وجدت “كريم” واقفًا كالصنم تحت ضوء مصباح فوسفوري، وهو يضم الأرنب القماشي إلى صدره بصلابة.
لم تحاول مريم الاقتراب منه أو لمسه. بل جلست على الأرض بهدوء، وسحبت منشفة أخرى من العربة وبدأت في طيّها على شكل سلحفاة.
دمدمت بصوت دافئ:
— «الأرنب أضاع الطريق… لكن السلحفاة تعرف كيف تعود.»
تنفس كريم بصعوبة، لكنه لم يصرخ هذه المرة.
وفجأة… اقتحم طارق المكان برفقة ستة حراس مدججين، ولعلع صوت أجهزة اللاسلكي في الممر، مما جعل الطفل يغطي أذنيه بدموع مرعوبة.
صرخت مريم بحدة وهي تنظر للحراس:
— «أطفئوا هذه الأجهزة فورًا! إنكم ترعبونه!»
تردد الحراس، لكن طارق رفع يده بصرامة وأومأ لهم، فأطفأ الجميع أجهزتهم على الفور.
وضعت مريم السلحفاة القماشية على الأرض ودحرجتها ببطء نحو كريم. تقدم الطفل بثبات، أخذ السلحفاة، ثم خطى خطوات صغيرة ونزل على ركبتيه ليرمي برأسه على كتف مريم.
شعر طارق بغصة حادة بين الارتياح والغيرة؛ فابنه الذي لم يستطع أحد لمسه منذ عامين، وجد الأمان في حضن امرأة غريبة التقاها للتو.
في تلك اللحظة، وصل مدير الفندق غاضبًا وهو يصيح:
— «سيد طارق! هذه العاملة خرقت القوانين ودخلت الجناح الملكي وعرّضت ابنكم للخطر. هي مفصولة من العمل فورًا!»
حبست مريم أنفاسها وشحذت نظرتها للأرض، لكن كريم تمسك بزيها الأبيض بقوة.
تدخل طارق بنبرة حازمة:
— «لم تكن غلطتها… ابني هو من تبعها.»
حاول المدير التملص متعللاً بالبروتوكولات، ومضيفًا بنبرة تهكمية أن “عاملة نظافة” ليست مؤهلة للتعامل مع حالات نفسية معقدة.
رفعت مريم رأسها وقالت بصلابة:
— «هو ليس “حالة معقدة”… هو طفل مرعوب.»
عمّ الصمت الممر.
عرض طارق على مريم العمل في قصره فورًا، ووعدها خاصة وراتب يعادل عشرة أضعاف راتبها. لكن مريم رفضت كل عرضٍ مالي بجمود:
— «أنت تعتقد أن كل شيء في هذا العالم يُحل بالمال… لكن “كريم” لا يحتاج إلى طبيب آخر ينظر إليه وكأنه آلة عاطلة بحاجة للإصلاح.»
سألها طارق بنبرة :
— «إذن أخبريني… ماذا يحتاج؟»
أجابت بثبات:
— «يحتاج أن تتوقفوا عن إجباره… وأن تصغوا إلى ما يقوله بغير كلام.»
### شروط القبول والمواجهة
وقعت تلك الكلمات على قلب طارق كالصاعقة. لعامين كاملين، كان يدير حياة ابنه كصفقة تجارية: مواعيد، أطباء، تقارير، وكاميرات… ولم يسأل نفسه قط إن كان ابنه خائفًا من شيء محدد.
وافقت مريم أخيرًا على المساعدة لمدة 30 يومًا فقط، وبثلاثة شروط صفيحة:
1. ألا ترتدي أي زي طبي.
2. ألا تقيم في القصر ليلاً.
3. ألا تتلقى أي أوامر من أفراد العائلة.
وافقت إدارة القصر، لكن القرار أشعل داخل عائلة “العريان” في حيهم الراقي.
أبدت “السيدة ثريا” —والدة طارق— اعتراضها الشديد، واعتبرت استعانة ابنها بعاملة نظافة إهانة للعائلة:
— «هذه الفتاة رأت فرصة ذهبية… كسبت الطفل أولاً، ثم ستكسب الأب، وبعدها ستطالب بالملايين!»
أما “ماجد” —ابن عم طارق وشريكه في الشركة— فابتسم بشر وهو يرتشف قهوته:
— «لا داعي للمبالغة يا عمتي… لكن يجدر بنا التدقيق في خلفيتها جيدًا.»
سمعت مريم الهمسات أثناء وضعها لصندوق من الألعاب القماشية في الصالون، لكنها لم ترد بكلمة.
خلال الأيام الأولى، لم تحاول مريم إرغام كريم على الكلام. كانت تجلس معه، ترتب الأزرار، تطوي الأقمشة، وتمشي معه في الحديقة دون طرح أسئلة. بل إنها فرضت على طارق قانونًا صارمًا:
— «إذا أردته أن ينظر إليك… اترك هاتفك جانباً وانظر إليه أولاً.»
جلس الملياردير على الأرض ببدلته الفاخرة، وتعلّم كيف ينتظر.
وبعد أيام، بدأ كريم يضع الأرنب بينه وبين أبيه. وفي أحد الأيام، سمح لوالده بأن يعدل أذن الأرنب المائلة… فبكى طارق بصمت لأول مرة.
### السر الدفين خلف السير
كانت مريم تحمل هي الأخرى جرحًا غائرًا؛ فأخوها الصغير “ياسين” توقف عن الكلام بعد وفاة والدتهما، وكان أقرباؤها يصفونه بـ “العنيد والمشاطن”. وفي إحدى المناسبات، أجبره أحد أقاربه على القفز في بركة السباحة “ليتخلص من خوفه”… فغرق ياسين بينما ظن الجميع أنه يلعب. وكانت مريم في التاسعة عشرة عندما انتشلته جثة هامدة.
قالت لطارق بصوت خفيض:
— «منذ ذلك اليوم، تعلمت أن الصمت أحيانًا يكون صرخة استغاثة.»
فهم طارق حينها لماذا تفهم مريم حركات يد كريم ونظراته المذعورة.
لكن مريم لاحظت شيئًا مريبًا؛ كريم كان يتحسن طوال الأسبوع، لكنه في كل يوم خميس —بعد زيارة “ماجد” للقصر— كان ينتكس، يمزق رسوماته، ويفزع من نومه غارقًا في عرقه.
اكتشفت مريم أن كريم لا يخاف من وجه ماجد… بل من **صوت عقارب ساعته الذهبية القديمة**، التي تصدر رنة معدنية منتظمة عند كل ساعة.
عندما دوت رنة الساعة في إحدى الزيارات، ألقى كريم السلحفاة على الأرض واختبأ تحت الطاولة.
جلست مريم بجانبه وقالت بهدوء:
— «هل تعرف هذا الصوت يا كريم؟»
لم ينطق الطفل، لكنه أمسك بقلم تلوين أسود وبدأ يرسم بغضب: رسم سيارة، ثم امرأة بشعر طويل، وساعة على معصم رجل… ثم شطب على الساعة بضغط شديد حتى تمزقت الورقة!
اتسعت عينا طارق وهو ينظر للورقة… كانت تلك السيارة هي نفس السيارة التي قُتلت فيها زوجته “دينا” قبل عامين في حادث سير أليم على طريق الساحل أثناء عاصفة مطرية، وكان كريم معها في السيارة ونجا بأعجوبة.
قال طارق بصوت متقطع:
— «ماجد كان أول من وصل إلى مكان …»




