روايات وققص

امي ومراتي الحامل

حكمت قامت من الأرض وجرت على الضابط، مسكت في هدمه وهي بتبكي بدموع تماسيح:
— “يا بيه لا يا بيه! ده بيت ناس طيبين! دي مجرد خناقة عائلية! البت دي مجنونة وبترموش نفسها وتعمل حركات عشان تطلق ابني وتاخد شقته! محدش حابسها! دي هي اللي قفلت على نفسها من جوه!”
أحمد بص لأمه بذهول وكأنه أول مرة يشوفها في حياته:
— “قفلت على نفسها من جوه وحطت القفل بره يا مفترية؟! اتقي الله بقى!”
العسكري جه بالعتلة، والضابط مسكها بنفسه وادخلها بين الباب والحلق. بضغطة واحدة قوية، صوت الخشب وهو بيتكسر كان زي صوت كسرة قلب أحمد. الباب اتفتح على وسعه..
الريحة اللي طلعت من جوه المخزن كانت تخنق. ريحة كتمة وعفن، ومخلوطة بريحة دم محبوس وصدأ.
الضابط شغل كشافه ورشح الضوء جوه المخزن.
سارة كانت مرمية على أرضية أسمنتية باردة، ملفوفة في حفة قماش قديمة، وشها أصفر كأنه ورقة خريف ميتة، وشفايفها متشققة ومبيضة من العطش. هدومها كانت متبهدلة تراب وطين، وتحت جسمها كان فيه بقعة دم ناشفة.
أحمد اتأرمى عليها وهو بيبكي بانهيار:
— “سارة! سارة رد عليا يا قلبي! أنا أحمد.. أنا رجعت خلاص والله ما هسيبك تاني!”
سارة فتحت عينيها بالعافية، بصلته بنظرة ضايعة، وحركت شفايفها بالعافية وصوتها طالع زي الفحيح:
— “أحمد.. الحقني.. الواد.. الواد بيموت جوه..”
في اللحظة دي، الضابط كان بيحرك الكشاف في زوايا المخزن عشان يضمن المكان آمن قبل ما الإسعاف تتدخل، لكن نوره ثبت على حاجة غريبة في أخر الكركور، ورا الكراتين القديمة والحديد الخردة.
فيه باب حديد صغير، محفور في الجدار الخرساني بتاع البيت، متغطي ببرشام خيش قديم وسلاسل مكسورة. وتحت الباب ده.. كان فيه ريحة تانية خالص. ريحة زفرة ومواد كيماوية بياضة.
الضابط قرب من الباب الصغير بشك، وحرك البرشام الخيش بكشافه.
شاف قوالب طوب حديثة البناء، معمول فيها فتحات تهوية صغيرة، ومن ورا الفتحات دي كان باين أكياس بلاستيك سودا كبيرة متستفة فوق بعضها بطريقة هندسية غريبة، وطالع منها جراكن بيضا مكتوب عليها رموز كيماوية خطر!
حكمت أول ما شافت الضابط واقف عند الباب الصغير، صوتها قطع. الست اللي كانت بتصرخ وتلطم وتسوي الهوا، اتخرست تماماً. وجهها تحول للون الرمادي، ورجليها مابقوش شايلينها.
باهر شريط حياته اتعرض قدامه في ثانية، وحاول يتسحب بالراحة عشان يهرب ناحية السور الخلفي للجنينة، لكن أمين الشرطة مسكه من قفاه وثبته في الحيطة:
— “رايح فين يا حلو؟ خليك واقف مكانك!”
الضابط بص لحكمت وبعدين بص لباهر، ورجع بص لأحمد اللي كان ماسك إيد سارة وبيحاول يقومها:
— “يا باشمهندس.. أنت تعرف حاجة عن الأكياس والجراكن اللي جوه دي؟”
أحمد بص باستغراب وهو حاطط إيده تحت رأس سارة:
— “أكياس إيه يا فندم؟ ده مخزن كراكيب قديم من أيام أبويا الله يرحمه.. بنحط فيه العجل القديم والشنط!”
الضابط هز رأسه بقلة حيلة، وطلع جهاز اللاسلكي من حزامه:
— “ألو.. عمليات المعادي؟ معاك نقيب هشام. ابعتلي فوراً سيارة إسعاف لموقع البلاغ، وهاتلي قوة مكافحة المخدرات والبحث الجنائي على نفس العنوان.. عندنا هنا معمل تصنيع ومخزن إستراتيجي لمواد مخدرة داخل عقار سكني!”
الكلمة نزلت زي الصاعقة على أحمد.
— “إيه؟! مخدرات إيه يا فندم؟! أنت بتقول إيه؟!”
الضابط بص له بجدية:
— “أمي وأخوك مش حابسين مراتك بس عشان ‘تأديب’ ولا بركة يا باشمهندس.. مراتك اتحبست هنا لأنها غالباً شافت اللي مكنش ينفع تشوفه! شافت الباب ده مفتوح، أو شافت أخوك وهو بيدخل الجراكن دي هنا!”
أحمد بص لأخوه باهر بصدمة مش قادر يستوعبها. باهر اللي كان بياخد منه مصصروفه، باهر اللي أحمد كان بيكافح عشان يجوزه ويأمن له مستقبله، كان يحول مخزن البيت لورشة تحضير سموم!
سارة، بآخر طاقة عندها، مسكت في قميص أحمد وضغطت عليه بعنف، ودموعها نازلة بتقطع في وشها:
— “أحمد.. أنا.. أنا سمعتهم.. يوم الأربع.. سمعت باهر وأمك بيتخانقوا جوه.. باهر كان بيقول لها الشحنة دي بمليون جنيه ولو باظت هنروح في داهية.. ولما دخلت أسال فيه إيه.. باهر ضربني على بطني.. وأمك مسكتني من شعري وزقتني جوه وقالت لي مش هتطلعي هنا إلا وأنتِ ميتة عشان محدش يعرف سرنا..”
أحمد حَسّ إن الأرض بتلف بيه. الدنيا اسودت في وشها. بص لأمه اللي كانت واقفة ساكتة وموطية رأسها في الأرض، وبص لأخوه اللي بيترعش ومسكين.
الغل والألم والخيانات كلهم اتقابلوا في قلبه في لحظة واحدة. سارة كانت بتنزف بين إيديه، وابنه اللي في بطنها بيموت، وأمه وأخوه هما اللي عملوا فيها كده.. مش بس عشان يظلموها، لا.. عشان يداروا على قذارتهم وتجارتهم اللي هتودي العيلة كلها في ستين داهية.
صوت إسعاف يقرب من الشارع.. والضابط بيمسك باهر وحكمت عشان يكلبشهم..
لكن القصة لسه مخلصتش، والسر اللي جوه المخزن مكنش بس مخدرات.. ده كان فيه سجلات وأسماء ناس تانية في المنطقة مش هيسكتوا لو السر ده اتفتح!

صوت سارينة الإسعاف كان بيشق هدوء الشارع، زي صفارة إنذار بتعلن نهايات حاجات كتير وبداية كابوس جديد. المسعفين نزلوا يجروا بـ التروللي، ودخلوا من بوابه الجنينة المبلولة. الضابط هشام شاور لهم بسرعة، وجريوا على أحمد اللي كان قاعد على الأرض ومكلبش في إيد سارة، كأنه لو سابها هتيضيع منه للأبد.
— “اوعى يا باشمهندس بالراحة عشان نعرف نشيلها!” المسعف قال وهو بيحط جهاز الأكسجين على وش سارة.
أحمد كان شايف كل حاجة حواليه كأنها بتتحرك بالعرض البطيء. شالوا سارة بالراحة، وحطوا الملاية البيضا عليها، وفي اللحظة دي أحمد شاف نقط الدم نازلة ببطء من طرف التروللي على أرضية الجنينة الأسمنتية. قلبه اتعصر، وحس بوجع في صدره مفيش أي كلام يقدر يوصفه.
حكمت كانت واقفة، والكلابشات في إيدها. بصت لأحمد بنظرة كلها غل وقسوة، ومفيش في عينيها نقطة ندم واحدة:
— “أنت مش ابني! أنت ولد عاق! تبيع أمك وأخوك عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟! طول عمرك خايب وماشية ورائها!”
أحمد وقف وقرب منها، وشه كان شاحب كأنه ميت، وعينيه أحمر من الدموع والدم:
— “أنا اللي خايب؟! عشان شقيت وتعبت وعرقت عشان أفتح البيت ده؟! عشان أكلكم بالحلال؟! طلعتوا حابسين مراتي وتضربوها في بطنها وهي حامل عشان تجارة قذرة؟! أنتِ مش أم.. أنتِ شيطان!”
باهر كان واقف جنبه أمين الشرطة، بيعيط بانهيار وبيترعش زي الفراشة:
— “والله يا أحمد هي اللي زقتني! أمك هي اللي قالت لي هات البودرة وجرب نعمل التركيبة هنا عشان المكسب يبقى الضعف! هي اللي قالت لي المخزن محدش بيدخله وخلينا نستغل العبيط أخوك وهو مسافر!”
أحمد ضرب باهر بقبضته على وشه ضربة طيرته في الأرض، والشرطة مسكت أحمد بسرعة وبعدته:
— “اهدى يا باشمهندس! اهدى ومتبوظش حقك!” الضابط هشام زعق وهو بيمسكه.
في اللحظة دي، عربيات النجدة ومكافحة المخدرات والطب الشرعي كانت ملت الشارع كله. الشارع اتقلب، والناس والحيطان في منطقة المعادي الهدية بدأوا يخرجوا من الشبابيك والبلكونات يبصوا بذهول. العيلة المحترمة الراقية اللي طول عمرها في حالها، طلعت بتدير بؤرة لتصنيع السموم!
— “اركب يا باشمهندس مع الإسعاف عشان تحصل مراتك، وأنا هبعت معاك أمين شرطة وياخد أقوالك لما توصل المستشفى،” الضابط هشام قال وهو بيحط إيده على كتف أحمد بأسف.
أحمد ما فكرش ثانية، جري ورا التروللي ونط في عربية الإسعاف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى