
معلش يا ابني.. الشدة بتزول. إحنا لحقناكم أول ما سمعنا . بس قولي يا يوسف.. مين الناس دي؟ وإيه حكاية الفلوس والميتين ألف اللي كان بيزعق بيهم ده؟
يوسف دارى وشه بإيده، وكان حاسس بكسرة نفس رهيبة قدام جيرانه وهو لسه عريس جديد. قولت أنا لعم عبده وأنا بمسح دموعي
مشكلة في الشغل يا عم عبده.. سوء تفاهم كبير ويوسف ملوش ذنب فيه. كتر خيركم، مش عارفين نشكركم ازاي.. لولاكم كان زماننا في عداد الأموات.
شباب الحارة ساعدوا يوسف يقوم يقعد على الكنبة، وعم عبده قالي
يا بنتي إحنا أهل وجيران، ولو عوزتوا أي حاجة إحنا موجودين.. بس خلي بالكم، الراجل ده شكله مش هيسكت وممكن يرجع تاني أو يعمل حوار في القسم. لازم تتصرفوا.
بعد ما الجيران خرجوا وقفلوا الباب وراهم على قد ما قدروا لأن الكالون كان باظ، الشقة بقت هادية تماماً.. هدوء حزين ومخيف.
جبت مية دافية وقطن ومطهر، وقعدت جنبه على الكنبة. بدأت أمشي القطنة بالراحة على الچروح اللي في وشه. كل ما المس حتة، كان بيتوجع ويكتم آهاته عشان ميخوفنيش. أنا مكنتش بتكلم، ودموعي كانت بتنزل وتنزل على إيده اللي ماسكاها.
يوسف بصلي ودمعة نزلت من عينيه السليمة، وقال بنبرة مکسورة عمري ما هنساها
شايفة الجواز اللي كنتِ مستنياه يا إيلين؟ شايفة الراجل اللي كنتِ بتحلمي بيه؟ أهو نايم قدامك متبهدل ومضړوب ومش عارف يحمي بيته من شوية .. ومعندوش في جيبه غير خمسين جنيه.
شيلت القطنة من على وشه، وحطيت راسي على كتفه وحضنته جامد. قولتله بصوت كله ندم وحب حقيقي حسيت بيه لأول مرة من يوم ما اتجوزنا
متقولش كده يا يوسف.. أنت راجل وسيد الرجالة كمان. أنت كنت بتستحمل عشان تبني البيت ده وعشان متخلينيش أحتاج حاجة.. أنا اللي كنت غبية، وعيلة صغيرة ومش فاهمة يعني إيه مشاركة ويعني إيه شقا. كنت ببص للمظاهر وزعلانة عشان فنجان قهوة.. سامحني يا يوسف، أنا من النهاردة معاك في أي حاجة.. لو هنعيش على العيش والملح أنا راضية، بس نكون مع بعض وم تخبيش عليا حاجة تاني.
يوسف شدد من حضنه ليا، وحسيت بنبضات قلبه السريعة بتهدى وبترتاح. قال لي
الحقيقة إن الأسطى حامد كان مخبي عليا إن ساري بيه طالب المبلغ ده كله.. ساري استغل إن الضفيرة اللي باظت أثرت على كمبيوتر العربية وبوظت حاجات تانية، وقرر يركبني الچريمة كلها عشان يجدد عربيتها على حسابي.. وصاحبي اللي بعتلي الرسالة الفجر كان بيحذرني إن ساري وقع تحت إيده عنوان الشقة وجاي ياخد حقه بدراعه.
طب والعمل دلوقتي يا يوسف؟ سألته وأنا ببص لعينيه بقلق، وكملت الراجل ده مش هيسكت، والبيت هنا مبقاش أمان.. والجيران كتر خيرهم بس مش هيقعدوا يحرسونا طول العمر.
يوسف سكت شوية، والملامح في وشه اتغيرت.. بدت تظهر فيها نظرة تحدي ونضج مفاجئ. قال بصوت حازم
إحنا لازم نمشي من هنا يا إيلين.. مؤقتاً.
نمشي نروح فين؟
هنروح بيت أبويا وأمي.. هنقعد هناك كام يوم لحد ما أشوف حل مع الأسطى حامد ونروح للراجل ده ونوصل لحل يرضي ربنا.. مش هسيب بيتي يتخرب ولا هسيبك تعيشي في الړعب ده.
لمينا هدومنا
أنا اللي كنت بساعده و إن أنا شريكه في كل العربيات اللي باظت وباعتراف مني اللي بوقع عليها كل يوم!
الحقيقة ظهرت.. بس الحقيقة دي بدل ما تنقذ يوسف، كانت الحبل اللي بيتلف حوالين رقبته.. والحكاية لسه بتبدأ.
يتبع ضحي_الديميري حكايات_تنه_ورنه
الفصل الرابع والأخير
الكلمة نزلت علينا في صالة بيت حمايا زي الصاعقة. يوسف ! الجملة كانت أكبر من إن عقلي يستوعبها. بصيت ليوسف اللي كان واقف وسط الصالة وعينيه بتلف في المكان كأنه بيدور على مخرج من كابوس ملوش آخر، وشه رجع أصفر تاني والخۏف رجع يسكن ملامحه بعد ما كان بدأ يطمن وسط أهله.
حمايا وقف على رجليه وهو ساند على عصايته، وعينيه كانت بتطق شرار بس مش من يوسف، من الغدر اللي ابنه اترمى فيه، وزعق بصوت هز الحيطة
الواطي! ابن الحړام بعد ما كلت معاه عيش وملح وشيلت عنه الليلة برة القسم، عايز يلبسك عشان ينجد نفسه؟ اللي معاك دي يا يوسف.. أنت وقعت على إيه بالظبط؟
يوسف قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يتكلم بصوت مخڼوق ومتقطع
أنا كنت بوقع له على ورق استلام نقدية يا أبويا.. كان يقولي امضي هنا إنك استلمت من الزبون فلان الفلاني كذا عشان نسدده لصاحب العربية، وأنا من غبائي وثقتي فيه كنت بمضي وأنا مش قاري، كنت فاكر إني بستلم وصلي بالفلوس اللي بدفعها من عرق شقاي في المعمار.. مكنتش أعرف إنه بيلف الحبل حوالين رقبتي ويثبت إني كنت المستلم والمصلي في كل الحوارات دي!
حماتي بدأت تصوت وتلطم على خدودها
يا لهوي يا نايا! الواد هيضيع.. الواد هيروح في الرجلين يا حاج، اتصرفوا.. شوفوا هنعمل إيه!
في وسط المندبة دي كلها، حسيت ب طاقة وقوة عمري ما حسيت بيهم قبل كده. البنت الدلوعة اللي كانت بټعيط عشان فنجان قهوة وعايزة خروج وفسح ماټت. اللي واقفة دلوقتي هي ست بيت يوسف، ضهره وسنده. قربت منه وقعدت على ركبي قدامه، شيلت إيديه من على وشه وبصيت في عينيه بكل ثبات وقولتله
مش هنسيبك تضيع يا يوسف.. الحرامي لازم يبان، والأسطى حامد ده مش أذكياء مننا.. إحنا معانا ربنا، والبوليس لما يحقق هيعرف الصادق من الكداب، بس إحنا مش هنقعد حاطين إيدينا على خدودنا.
يوسف بصلي وعينيه كانت مليانة دموع، بس شفت فيها نظرة امتنان خلتني أحس إني بملأ الدنيا. حمايا بصلي وهز راسه وقالي
بنت أصول يا إيلين.. ودايماً الست الأصيلة بتبان وقت الضيقة. قوم يا يوسف.. البس هدمتك وإحنا مش هنستنى لما البوليس ييجي لحد هنا.. إحنا هنروح القسم برجلنا ونطلب التحقيق، ومعانا المحامي الأستاذ مجدي ابن عمك، هو هيفهم في السكك دي.
نزلنا كلنا وسط ليل القاهرة الزاحم، حمايا ويوسف وأنا، والأستاذ مجدي المحامي حصلنا على باب القسم. مكنتش متخيلة في يوم من الأيام إني هخطى عتبة مكان زي ده، بس الخۏف على يوسف كان مديني شجاعة تهد جبال.
دخلنا، وجلسنا في الطرقة مستنيين الأستاذ مجدي يدخل لرئيس المباحث ويفهم الموقف. الساعات كانت بتعدي كأنها سنين، وكل شوية أشوف عساكر داخلين وخارجين، وقلبي يتنفض مع كل خطوة. يوسف كان قاعد جنبي، إيده في إيدي، ومكنش بيبطل استغفار.
بعد حوالي ساعتين، خرج الأستاذ مجدي ووشه مكنش يطمن أوي، قرب من حمايا وقال بصوت واطي
الموضوع مش سهل يا حاج.. حامد مرتكب كذا واقعة، ومثبت في دفاتر الورشة إن يوسف هو اللي كان
تانية خالص.. أنا أسف إني عيشتك في الړعب ده وأسف إني مقدرتش أعملك الجواز اللي كنتِ بتحلمي بيه من فسح وخروج.
قاطعته وحطيت إيدي على بوقه وقولتله ودموعي في عيني
متقولش كده تاني يا يوسف.. أنا اللي أسفة، أنا كنت فاكرة الجواز ده مجرد فستان أبيض وخروجة وكلمتين حلوين.. مكنتش فاهمة إن الجواز هو الراجل اللي بېموت نفسه في الشغل عشان يستر بيته، والست اللي بتبقى ضهر جوزها لما الدنيا كلها تقف ضده. فنجان القهوة اللي كنت بزعل لما تصحيني أعملهولك.. أنا من النهاردة هصحى من قبل الفجر أعملهولك بحب، وأدعي لك وأنت نازل.
يوسف ابتسم وضمني لحضنه، وحسيت بنبضات قلبه الهادية.. الدفء والأمان اللي كنت بدور عليهم في الخروج والفسح، لقيتهم في حضنه الصادق ده.
بعد مرور سنة كاملة..
الشقة رجعت أحسن من الأول، والرزق بدأ يتفتح ويجري في إيدينا بعد ما الأزمة عدت ويوسف سدد كل اللي عليه وبدأ يشتغل في مركز صيانة كبير ومحترم بمرتب ثابت ومعاملة تليق بشقاه وأمانته.
الساعة كانت أربعة ونص الفجر.
منبه الموبايل رن بصوت واطي.
فتحت عيني براحة وبصيت ليوسف اللي كان نايم جنبي وشكله مرتاح، ملامحه مكنش فيها التعب والخۏف بتوع زمان. قمت براحة من غير ما أعمل صوت، دخلت المطبخ، وولعت البوتاجاز وعملت فنجان القهوة المظبوط اللي بيحبه، وريحة البن مالت الشقة.. ريحة الأمان والاستقرار.
دخلت الأوضة تاني، وقعدت جنبه على السرير، مشيت إيدي على شعره وقولتله بصوت حنين وبابتسامة مالية وشي
يوسف.. قوم يا حبيبي عشان تلحق شغلك.. القهوة جاهزة.
يوسف فتح عينيه وبصلي، وابتسم ابتسامة صافية من قلب قلبه، مسك إيدي وباسها وقالي
صباح الخير يا أحلى حاجة في حياتي.. ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش من القهوة دي ولا من صاحبتها.
قمت ووقفت قدام المراية وأنا بحضر له فطور سريع، وبصيت لنفسي وابتسمت.. المرة دي مسألتش نفسي هو أنا استعجلت؟.. المرة دي كنت عارفة ومتأكدة إن ده أحسن قرار أخدته في حياتي، وإن الصبر آخره جبر، وإن الجواز الحقيقي بيبدأ لما الاتنين يشيلوا الشيلة مع بعض في المرة قبل الحلوة.
ويوسف خرج من الشقة وهو بيشرب قهوته، وبصلي وقالي ادعي لي يا إيلين.. وقولتله من قلب قلبي ربنا يفتحها عليك ويرزقك برزقنا يا سيد الرجالة. وباب الشقة اتقفل.. بس المرة دي اتقفل على أمان وحب وخير ملوش نهاية.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




