
ولا من يوم ولادة ابنتيّ حين رفضت حماتي أن تحملهما.
ولا من صباحات الساحة الطويلة.
بدأت بجملة صغيرة واحدة
الموضوع مو بس اليوم.
وبعدها انفتح كل شيء.
حكيت لها عن الاعتداءات المتكررة.
وعن الإهانات.
وعن المرات الكثيرة التي كنت ألف فيها وشاحًا سميكًا حول رقبتي حتى أخفي الآثار.
وعن والدته التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة وتسمعني، ثم تكتفي بالدعاء.
وعن الليالي التي كانت ابنتاي تختبئان
فيها داخل الخزانة وتغلقان أذنيهما بأيديهما الصغيرتين.
وعن الصباحات التي كنت أقف فيها في المطبخ وأجهز فطوره بعين متورمة.
لم تقاطعني زينب مرة واحدة.
كانت تكتب بهدوء وثبات.
وبين وقت وآخر، تسألني بلطف عن تاريخ محدد، أو عدد المرات، أو اسم شخص.
كان الطبيب واقفًا قريبًا منا، يهز رأسه بملامح قاتمة، وكأن الكسور القديمة الظاهرة أمامه على الجهاز تؤكد كل كلمة أقولها.
وحين انتهيت من الكلام، شعرت أنني فارغة تمامًا.
لم أشعر أنني شُفيت فجأة.
ولم أشعر أنني أصبحت حرة بالكامل.
شعرت فقط بأن كل شيء داخلي أُفرغ.
مثل بيت مهجور أخرجوا منه الأثاث المكسور، وبقيت جدرانه واقفة وحدها.
بعد نحو ساعة، دخلت فنية الأشعة الصوتية حتى تفحص الجنين.
رفضت النظر إلى الشاشة.
كنت خائفة من أن أتعلق بحياة صغيرة قد تكون مهددة داخل جسدي المتعب.
لكن الفنية سألتني بصوت ناعم
تحبين تسمعين نبضه؟
أومأت إيماءة خفيفة.
وفجأة، امتلأت الغرفة بصوت سريع، ثابت، وعنيد.
دق دق.
دق دق.
دق دق.
أغمضت عيني بقوة، وسالت .
لم أكن أعرف إن كنت أريد هذا الحمل فعلًا، أم أنني فقط خائفة من كل ما يحدث.
لم أكن أعرف هل يستطيع جسدي أن يتحمل.
ولم أكن أعرف إن كان الجنين ولدًا أم بنتًا.
وللمرة الأولى في حياتي، أدركت أنني لا أهتم.
مجرد سماع ذلك الصوت في داخلي…
حيًا.
متمسكًا.




