
لم تكن شرطية.
ولم تكن طبيبة.
لكن دخولها وحده غيّر جو كله، وجعل الصمت أكثر جدية.
قالت بنبرة حازمة
السيدة سارة، أنا زينب الكعبي، باحثة اجتماعية من قسم حماية الأسرة والطفل، وأعمل بالتنسيق مع وحدة الأسري. أنا هنا حتى أمثلك وأدافع عن حقوقك.
استدار حيدر نحوها بسرعة.
ماكو داعي لكل هذا. هذا موضوع عائلي خاص.
لم تلتفت إليه حتى.
قالت بهدوء
ولهذا
السبب تحديدًا تم استدعائي.
كنت أريد أن أبكي.
ليس لأنني شعرت بالأمان الكامل، فأنا لم أكن آمنة بما يكفي بعد.
كنت أريد البكاء لأن أحدًا أخيرًا نظر إلى ما أعيشه وسمّاه باسمه الحقيقي.
لم يقل إنها مجرد مشكلات زوجية.
ولم يقل إن حيدر عصبي فقط.
ولم يطلب مني أن أتحمل وأصمت وأدعو الله أن يتغير.
حاول حيدر الاقتراب من مرة أخرى.
قال لي بصوت واضح
سارة، فكري زين قبل لا تحجين.
ثم خفض صوته إلى همسة قاسية لا يسمعها سواي
إذا تفتحين حَلگج، آخذ البنات منج وما تشوفينهن طول عمرج.
توقفت أنفاسي.
ها هو السـ,ـلاح الذي يعرف أنه يشلني تمامًا.
لم يهددني أنا هذه المرة.
هدد ابنتيّ.
كان يعرف دائمًا أين يوجه أكثر كلماته قسـ,ـوة.
لاحظت زينب الخوف الذي ظهر فورًا على وجهي، فتقدمت ووقفت بيننا.
قالت
أستاذ، لازم تطلع من الغرفة.
رد حيدر
هي مرتي على سنة الله ورسوله.
قالت بصرامة
وهي الآن مريضة مصابة وتحتاج إلى الحماية. اطلع.
ضغط حيدر على أسنانه.
نظر إلى الطبيب، ثم إلى زينب، وأخيرًا إليّ.
كنت أرى الحسابات تدور داخل رأسه.
كان يفكر كعادته.
ماذا يستطيع أن يفعل قانونيًا؟
وإلى أي حد يمكنه الضغط؟
ومتى يتراجع مؤقتًا حتى يعود بطريقة أخرى؟
وفي النهاية، مال قليلًا نحوي وقال
الموضوع بعده ما انتهى.
ثم استدار وغادر.
أُغلق الباب الثقيل خلفه بصوت واضح.
وللمرة الأولى منذ ما يقارب عشر سنوات، لم أشعر أن شعرت أنها حصن.
اقتربت زينب من
قالت
بصوت أخف
لازم أسألج بعض الأسئلة الروتينية، لكن قبل كل شيء لازم أعرف فورًا بناتج الآن وحدهن بالبيت؟
ذلك السؤال وحده جعل قلبي يقفز من الخوف.
بناتي.
كنت قد تركتهن في الصباح عند الحاجة أم جاسم، المرأة الكبيرة التي في البيت المقابل، قبل أن حيدر إلى الساحة ويتحول كل شيء بعدها إلى هل عندها؟
هل عاد حيدر وأخذهما؟
هل جاءت أمه وأخذتهما معها؟
قلت بصوت
ما أعرف… والله ما أعرف وينهن هسه.
نظرت زينب إلى الممرضة، فخرجت الأخيرة فورًا إلى الممر وهي تمسك هاتفها وتبدأ الاتصال.
قالت زينب وهي تحاول طمأنتي
راح نعرف مكانهن الآن. لكن أحتاج منج تحجين الحقيقة كلها يا سارة. الحقيقة كاملة، حتى يكون عندي سند قانوني أحمي بيه البنات أيضًا.
الحقيقة كاملة.
يا لها من فكرة مرعبة بعد سنوات تعلمت فيها ألّا أقول شيئًا.
بدأت ببطء.
لم أبدأ من أول مرة أساء فيها إليّ.




