
درجة.
والصوت بيقرب.
العجوز مسك دراعي بسرعة.
اسمعيني كويس… لو مسكنا النهاردة هنضيع كلنا.
مين أنت؟ وإيه اللي بيحصل؟
مفيش وقت.
مد إيده تحت السرير الحديدي القديم.
وسحب صندوق خشبي صغير.
حطه في حضني.
خدي ده.
إيه ده؟
الحقيقة كلها.
في اللحظة دي…
الباب اتفتح بعنف.
ودخل إبراهيم.
وراه أمه واثنين من الرجال.
عيونه كانت مولعة غضب.
لكن لما شاف الصندوق في إيدي…
وشه شحب فجأة.
وكأن أسوأ كوابيسه اتحققت.
هاتي الصندوق.
محدش اتحرك.
العجوز وقف قدامي رغم ضعفه.
انتهى يا إبراهيم.
صرخ إبراهيم
اسكت!
ودفع الراجل العجوز بقوة.
وقع على الأرض.
هنا…
الحاجة القديمة جوايا صحيت تاني.
الحاجة اللي بسببها قالوا عني مجنونة.
لكن المرة دي كانت تحت السيطرة.
خطوة واحدة.
وبقيت بين إبراهيم وبين الراجل.
ابعد.
قالها وهو بيجز على سنانه.
لا.
انتي فاكرة نفسك اتغيرتي؟
أيوه.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بس للأسف ليك… اتغيرت للأخطر.
لثانية كاملة محدش اتحرك.
ثم سمعنا صوت جديد.
صوت صفارات شرطة.
بره البيت.
الجميع بص لبعضه بصد,مة.
إبراهيم اتجمد.
وأمه شهقت.
أما أنا…
فكنت مصدومة زيهم.
أنا ما بلغتش الشرطة.
يبقى مين؟
وفجأة ظهر صوت من أعلى السلم.
أنا.
كل الرؤوس اتلفتت.
وكانت المفاجأة.
ليلى.
ليلى الحقيقية.
واقفة فوق.
ومعاها ضابط.
وخلفهم عدد من أفراد الشرطة.
دموع نزلت من عينيها وهي بتبصلي.
قولتلك هساعدك… حتى لو من بعيد.
اتضح إن ليلى بعد ما فضلت في المصحة مكاني يومين، اعترفت للطبيبة بكل حاجة.
الطبيبة كانت شاكّة من سنين في وجود جـ,ريمة مرتبطة باختفاء والدنا.
ولما سمعت التفاصيل بدأت الإجراءات القانونية فورًا.
خلال دقائق…
كان البيت كله متقلب.
والشرطة بتفتش كل مكان.
أما الصندوق…
فلما اتفتح…
طلع فيه المستندات الأصلية.
عقود تزوير.
تنازلات مزيفة.
شهادات وفاة مزورة.
وخطابات تثبت أن والدنا كان صاحب جزء كبير من أملاك العائلة.
وأن إبراهيم وأمه احتجزوه عشر سنين كاملة للاستـ,يلاء على كل شيء.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة.
رسالة مكتوبة بخط يد والدنا.
رسالة كان مخبيها تحسبًا لليوم ده.
وفيها الحقيقة كلها.
حقيقة اختفائه.
وحقيقة مو,ت أمنا.
وحقيقة الأشخاص اللي شاركوا في الجريمة.
أسماء ماكانش حد يتخيلها.
ولما الضابط قرأ الأسماء…
تغيرت ملامحه.
وقال جملة خلت الجميع يسكت
القضية دي أكبر بكتير من اللي كنا فاكرينه.
لأن بعض الأسماء دي… لأشخاص مازالوا في مناصب مهمة لحد النهاردة.
وهنا فقط…
عرفت إن المعركة الحقيقية لسه ما بدأتش.
وإن إنقاذ ليلى وسلمى كان مجرد أول خطوة.
أما الحقيقة الكاملة…
فكانت مخبأة في مكان آخر لم يصل إليه أحد بعد.
يتبع… سادت حالة من الصمت الثقيل داخل القبو.
حتى رجال الشرطة اللي كانوا ماسكين إبراهيم وأمه، بدأوا يبصوا لبعضهم بقلق.
الضابط طوى الرسالة ببطء وحطها في ملف الأدلة.
لكن قبل ما يقفله…
لاحظت حاجة.
ورقة صغيرة كانت ملزوقة في آخر الرسالة.
كأنها اتخبت عمدًا.
مد الضابط إيده ونزعها بحذر.
قرأها.
وفجأة تغير لون وشه.
إيه اللي فيها؟ سألت بسرعة.
بصلي للحظات.
ثم قال
فيها عنوان.
عنوان إيه؟
مكان خارج البلد… مخزن قديم مهجور.
والدك كاتب إن فيه الدليل الأخير.
فيه الحاجة اللي كانوا مستعدين يحبـ,سوه عشر سنين عشانها.
إبراهيم فجأة بدأ يقاوم رجال الشرطة بعنف.
متروحوش هناك!
الكل بص له.
وأكمل وهو بيصرخ
متعرفوش إيه اللي مستنيكم!
كانت أول مرة أشوف الرعب
الحقيقي في عينيه.
مش خوف من السجـ,ن.
ولا من الفضـ,يحة.
خوف من المكان نفسه.
بعد ساعات طويلة من التحقيقات…
اتنقل إبراهيم وأمه للحـ,بس.
أما أنا وليلى وأبونا…
فبقينا تحت حماية الشرطة مؤقتًا.
في تلك الليلة لم ينم أحد.
والدي كان بيحاول يستوعب إن بناته بقوا ستات كبار.
وإحنا كنا بنحاول نستوعب إنه عايش أصلًا.
أما سلمى…
فكانت أول مرة تنام وهي مطمنة.
أول مرة من سنين.
لكن مع شروق الشمس…
وصل خبر قلب كل الموازين.
أحد رجال الشرطة المسؤولين عن الأدلة…
اختفى.
واختفى معاه الملف الأصلي.
الملف اللي فيه الرسالة والعنوان.
الدنيا اتقلبت.
والضابط المسؤول كان غاضب بشكل غير طبيعي.
في حد جوه الشبكة لسه شغال.
قالها وهو بيضغط على أسنانه.
يعني إيه؟
يعني اللي خطف والدكم زمان… نفوذه أكبر من اللي كنا متخيلين.
وفجأة رفع والدي رأسه.
وقال جملة غريبة
كنت عارف إنهم هيحاولوا ياخدوا الملف.
كلنا بصينا له.
عشان كده ما كتبتش العنوان الحقيقي.
شهقت ليلى.
يعني إيه؟
ابتسم لأول مرة.
كتبت عنوان مزيف.
الضابط اتجمد.
والعنوان الحقيقي؟
والدي رفع يده ببطء.
وأشار إلى صورة قديمة كانت معلقة في بيتنا القديم.
الصورة اللي ظهرت في عشرات الصور العائلية.
ولا مرة حد انتبه لها.
العنوان متخبي هناك.
في الصورة.
بعد ساعات…
رجعنا البيت القديم اللي اتقفل من سنين.
البيت اللي كبرنا فيه.
الغبار مالي كل مكان.
والذكريات متعلقة على الحيطان.
وقف والدي قدام صورة عائلية كبيرة.




