
أبويا وأمي وقفوا كل فيزا معايا وطردوني من البيت ، ومسبوليش غير المحفظة. كانوا متأكدين بنسبة مليون في الميّة إني هرجع أزحف قبل نص الليل عشان يفتحوا لي الباب. بس بعد تلت أيام، لما عرفوا طريقي ووصلوا لعنواني الجديد ووقفوا قدام البوابة… الاتنين جالهم ومنطقوش بكلمة.
الحتة بقى اللي لسه بتخلي فيا لحد دلوقتي… هي الجزمة!
إنك تطرد بنتك ده كوم من القساوة، بس إنك تصمم تطردها حافية ده كوم تاني خالص. دي مبقتش خناقة عادية، دي بقت “”.. درس وعقاب عاوزين يحفروه في ذاكرتي مع كل خطوة ودبّة لرجلي على الأسفلت الناشف.
الموضوع بدأ حوالي الساعة تسعة بالليل في يوم خميس، في أول شهر مارس، في حي في التجمع. الخناقة نفسها كانت تافهة، من النوع السخيف اللي بيبدأ في أوضة وفجأة بياكل البيت كله. أبويا طلب مني أديله الباسورد بتاع أبليكشن البنك بتاعي عشان “يتأكد بنفسه” أنا بكسب كام من شغل الفريلانس اللي بعمله. أنا عندي 28 سنة، وكنت قاعدة معاهم في البيت فترة مؤقتة بعد ما مشروع خلص، وبدفع لهم “مصاريف” كل شهر لحد ما أرتب الشغلانة الجاية. واللي كنت باخده في المقابل هو أوضة قد علبة الكبريت، ومراقبة تلتين ساعة، وزن مبيخلصش إن طول ما أنا تحت سقفهم، فخصوصيتي دي ميزة هما اللي بيمنوا عليا بيها.
الليلة دي، ولأول مرة في حياتي، قلت: “لا”.
أبويا بحلق فيا وكأني
“أفندم؟ قلتي إيه؟”
قلتله تاني: “لا يا بابا.. مش من حقك تدخل على حساباتي الشخصية”.
وش أمي اتقلب في ثانية. ملامحها بتبقى ساقعة ومخيفة وهي زعلانة، وكأن كل كلمة بتقولها بتبقى سنّاها ومحضراها عشان تجرح.
“خلاص، يبقى متستاهليش أي حاجة من خير البيت ده اللي مكبرك”.
كنت هضحك والله، لإن وقتها أنا فعلاً كنت شايلة نص مصاريف نفسي في البيت ده! طلبات، وفواتير، وحتى النت. ده حتى ملايات اللي في أوضتي الضيقة دي كنت شارياها بفلوسي!
أبويا مسك موبايله وقال: “تمام.. خلينا نشوف بقى هتعرفي تعتمدي على نفسك إزاي”.
ثانية واحدة، والموبايل بتاعي بدأ ينور ورا بعضه.. رسايل ورا رسايل.. الكروت اتوقفت، الباسوردات اتغيرت، وكل الصلاحيات اتلغت. من سنين، لما جيت أفتح الحساب ده أول مرة، هو اللي كان معايا وساعدني، وكنت دايماً بقول لازم أروح البنك وأفصل حسابي عنه خالص، بس كنت بأجل.. كنت فاكرة إن لسه فيه وقت.
بس مكنش فيه وقت.
أمي دخلت الأوضة، جابت شنطتي، وقلبتها على السفيرة.. ولمت كل الفيز اللي معايا في ثانية. زقتلي البطاقة و450 جنيه وهي بتبصلي بجميلة، وكأنها كرم حاتمي منها.
وقالتلي: “برا.. اطلعي برة”.
بصيت لها.. وبصيت لأبويا.. وبعدين بصيت لباب المفتوح.
“أنتو بتتكلموا بجد؟”
أبويا فتح الباب على آخره وقال: “ارجعي لما تبقي جاهزة تعتذري”.
كنت لسه بشراب خفيف.. ولما جيت ألتفت عشان ألبس الكوتشي بتاعي من على الجزامة، أمي وقفتني.
“سيبيه.. اطلعي كده”.
وفعلاً.. سبته.
مشيت في الممر الساقع ده ومعيش غير المحفظة في إيد والموبايل في الإيد التانية. باب اترزع ورايا رزع كان عامل زي حكم القاضي.
كانوا فاكرين إني هرجع في خلال ساعات.. بعيط، ومكسورة، ومستعدة أديهم كل الباسوردات بس يفتحوا لي الباب.
لكن اللي حصل، إنه قبل ما الشمس تطلع، كنت كلمت الشخص الوحيد اللي عمرهم ما يتخيلوا إني ممكن أرفع سماعة التليفون عليه. وبعد يومين، لما تتبعوا مكاني على الموبايل، ولفوا بالعربية لحد ما وصلوا لعنواني الجديد.. وقفوا قدام بوابة حديد ضخمة، ونفسهم اتقطع من . Ahmad Suliman
عشان البنت اللي طردوها وحافية، مرجعتش .
أنا روحت في حتة هما قعدوا سنين يضمنوا إني عمري ما هعرف أوصل لها لوحدي.
ولما البوابة دي بدأت تفتح.. شافوا بعينيهم بيت مين بالظبط اللي لمّني واستقبلني.
الأمن اللي واقف على البوابة كان بلغنا خلاص إنهم وصلوا، وعشان كده، أول ما أبويا وأمي نزلوا من عربيتهم، كنت أنا واقفة على عتبة البيت.. كنت لابسة جزمة “فلات” مستلَفاها، وجدتي واقفة جنبي كتفها في كتفي.
مش الجدة اللي كانوا بيتباهوا بيها في عزومات العيد.. ولا اللي صورتها متبروزة في الصالون.. لأ، دي الست الحقيقية اللي شطبوها من حياتنا من اتناشر سنة، لمجرد إنها بطلت تدي لأبويا فلوس، وبدأت تسأل وتنبش ورا الفلوس بتاعتي أنا راحت فين!




