
منذ متى؟
لم يرفع سيف رأسه.
منذ سنة تقريبًا.
شهقت وهي تنظر إليه .
سنة كاملة؟!
أجاب بصوت خافت
في البداية كانت مجرد مباريات.
رهانات صغيرة مع الأصدقاء.
ثم ابتسم ابتسامة ميتة وأضاف
وبعد أول مرة ربحت فيها
ظننت أن الله فتحها بوجهي.
ضحك بمرارة.
وبعد أول خسارة
ظننت أنني سأعوّض.
ثم خسرت أكثر.
ثم أكثر.
ثم بدأت أستدين.
دموع زهراء وهي تنظر إليه.
وأموال المدرسة؟
أخفض رأسه أكثر.
ذهبت.
ومدخراتنا؟
ذهبت أيضًا.
وضعت يدها فوق فمها حتى لا تصرخ أمام الأطفال.
أما أنا
فكنت أشعر أن كل كلمة تخرج من فمه تسحب عمرًا كاملًا من صدري.
قال فاضل وهو يقلب الأوراق
بعض القروض كانت باسمك الشخصي.
لكن هناك طلبات أخرى كانت تحتاج نقل ملكية الورشة أولًا.
ثم رفع إحدى الأوراق.
وهنا كانت المشكلة.
نظر سيف إلى الورقة بصمت.
فأكمل فاضل
لو حصلت على التوكيل الأخير
كان بإمكانك قانونيًا البدء بإجراءات البيع أو الرهن.
قال سيف فجأة بعصبية
لم أكن سأتركه في الشارع!
صرخت زهراء
لكنك كنت ستبيع كل شيء!
ارتفع صوتها للمرة الأولى.
حتى الأطفال ارتعبوا.
اقتربت رقية من أمها بسرعة وهي تبكي.
أما آدم
فاختبأ خلف كرسيي.
نظرت إلى حفيدي الصغير.
كان يرتجف.
فشعرت بشيء ينهار داخلي للمرة الأخيرة.
لأن الأطفال
لا يجب أن يروا آباءهم بهذه الصورة.
ولا يجب أن يتعلموا الخوف
داخل بيت العائلة.
وقفت ببطء.
فالتفت الجميع نحوي.
قلت بهدوء
خذوا الأطفال إلى الغرفة الأخرى.
تحركت زهراء فورًا.
لكن رقية بقيت واقفة مكانها.
وعيناها معلقتان بوالدها.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
هل أنت لص؟
أغمض سيف عينيه فورًا.
وكأن السؤال مباشرة في قلبه.
أما زهراء
فأجهشت بالبكاء.
اقتربت من ابنتها بسرعة واحتضنتها.
لا تقولي هذا يا ابنتي
لكن الطفلة بكت أكثر.
لكنه أراد أن يأخذ بيت جدي
لم أعرف ماذا أقول.
ولا سيف عرف.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون إلى درجة أن الأطفال وحدهم يستطيعون قولها ببساطة.
أخذت زهراء الطفلين إلى الداخل.
وبقي الرجال وحدهم حول السفرة.
أنا.
وسيف.
وفاضل.
وأبو علي.
وجاسم.
وصوت الملاعق الباردة فوق الصحون الممتلئة التي لم يعد أحد يريد لمسها.
قال أبو علي بهدوء
تعرف يا سيف
أبوك لم يترك يومًا راتب عامل يتأخر.
رفع سيف رأسه بصمت.
فأكمل
حتى أيام الحصار
كان يبيع ذهب أمك حتى يدفع للعمال.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
أما جاسم فقال
كنا نعتبر الورشة بيتنا.
ولذلك حين رأيناك تدخل ليلًا وتصور العقود
خفنا على الحاج أكثر من خوفنا على أنفسنا.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
وقال بصوت مكسور
كنت خائفًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
كل يوم كنت أصحو وأنا أفكر كيف سأدفع.
كيف سأهرب.
كيف سأمنع .
ثم نظر نحوي مباشرة.
وفي النهاية
بدأت أرى حلًا.
شعرتُ وكأن شيئًا باردًا انغرس في صدري.
لكنني لم أصرخ.
لأنني كنت متعبًا جدًا.
متعبًا بطريقة لا تصنعها وحدها
بل تصنعها السنوات.
سنوات الصمت.
والتعب.
والأبوة التي تظن أنها تكفي لمجرد أنك تؤمّن المال والطعام.
جلست ببطء فوق الكرسي.
ثم قلت
هل تعرف ما أكبر خطأ ارتكبته أنا؟
رفع الجميع عيونهم نحوي.
حتى فاضل.
قلت وأنا أحدق في استكانة الشاي
ظننت أن البيت يُبنى بالمال فقط.
ساد الصمت.
ثم أكملت




