عام

في عيد ميلادي الثالث والستين، همس ابني أمام الكعكة

كنت أعمل طوال الوقت.
أعود متعبًا.
أصرخ أحيانًا.
أنام أحيانًا دون أن أسأل ماذا يحدث داخل قلوبكم.
رفعت عيني نحو سيف.
وحين كبرت
وجدت نفسك رجلًا لا يعرف كيف يتكلم معي إلا عن المال.
بدأت دموع سيف تنزل بصمت.
أما أنا
فكنت أشعر أن أمينة تسمعنا الآن من مكان بعيد.
كانت دائمًا تقول
الرجال في بلادنا يتعلمون كيف يعملون
لكن لا أحد يعلمهم كيف يحبون أبناءهم بالكلام.
قال سيف بصوت مخنوق
كنت أخاف منك يا أبي.
ابتسمتُ بحزن.
وأنا كنت أظن أن الخوف احترام.
ارتجفت شفتاه.
ثم قال
كل مرة كنت أحاول أن أفتح معك موضوعًا
كنت تنهيه بكلمة واحدة.
لاحقًا.
تنهدت طويلًا.
لأنني تذكرت.
تذكرت عشرات المرات التي دخل فيها عليّ الورشة يريد الحديث
وأنا أطلب منه الانتظار.
تذكرت أمينة وهي تقول لي
سيأتي يوم لا يعرف ابنك كيف يتكلم معك.
ويبدو أن ذلك اليوم جاء فعلًا.
لكن رغم كل شيء
لم تكن الجروح القديمة مبررًا لما فعله.
قلت بهدوء
تقصيري لا يعطيك الحق أن حيًا.
انهار سيف باكيًا.

ولأول مرة منذ سنوات
سمعت صوت بكاء ابني الحقيقي.
ليس صوت الرجل الغاضب.
ولا المقامر.
ولا الطامع.
بل ذلك الطفل القديم الذي ضاع بيننا منذ زمن.
رفع فاضل الملف بهدوء وقال
الحل الآن واضح.
نظرنا إليه.
يتم إيقاف كل

صلاحيات سيف المالية.
وتُراجع الديون قانونيًا.
وأي محاولة جديدة للتصرف بأملاك الحاج ستتحول فورًا إلى قضية رسمية.
ثم نظر إلى سيف بصرامة.
وهذه ليست تهديدات.
هذه إجراءات حقيقية.
هز سيف رأسه بصمت.
ثم أخرج مفاتيح الورشة من جيبه.
نظر إليها طويلًا.
وكأنه يودّع جزءًا من حياته.
ثم وضعها أمامي فوق الطاولة.
الصوت المعدني الصغير
كان أشبه بصوت جنازة.
قال بصوت مكسور
سامحني يا أبي.
أغلقت عيني للحظة.
لكنني لم أستطع الرد بسرعة.
لأن بعض الاعتذارات تأتي بعد أن تكون الروح قد تعبت أكثر من اللازم.
وفي الداخل
كانت زهراء تقرأ القرآن بصوت منخفض للأطفال.
وصوتها المرتجف
يصل إلينا من خلف الباب.
فشعرتُ بشيء يخنقني.
هذا البيت الذي بنيته حجرًا حجرًا
كيف تحوّل إلى مكان مليء بالخوف؟
رفع سيف رأسه نحوي مرة أخيرة.
ثم قال
كنت أظن أن المال سيحل كل شيء.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
المال لا يُصلح الرجال يا سيف
بل يكشفهم فقط.
بكى بصمت.
أما أنا
فنظرت إلى كرسي أمينة الفارغ.
وتمنيت للمرة الأولى لو أنها ما زالت هنا.
ربما كانت ستعرف كيف تمنع كل هذا قبل أن يحدث.
وفي تلك الليلة
غادر أبو علي وجاسم بعد منتصف الليل.
وأغلق فاضل ملفاته بهدوء.
أما زهراء
فخرجت من الغرفة وعيناها حمراوان من البكاء.
ثم وقفت أمامي وقالت
مهما حدث
أنت كبير هذه
العائلة.
أخفضت رأسها باحترام عراقي قديم أعرفه جيدًا.
ذلك الاحترام الذي يبقى حتى وسط الخراب.
ثم أخذت أطفالها وغادرت.
أما سيف
فتوقف عند الباب طويلًا.
نظر إلى البيت.
إلى الجدران.
إلى السبحة المعلقة قرب صورة أمينة.
ثم قال بصوت بالكاد يُسمع
لم أكن أريد أن أصل إلى هذا.
أجبته بهدوء
لكنك وصلت.
فتح الباب ببطء.
ثم خرج.
وبقيت وحدي.
وحدي تمامًا.
رائحة الهيل الباردة ما زالت في الجو.
والصحون فوق السفرة كما هي.
وصوت ساعة الحائط يملأ الصمت.
جلست في مكاني طويلًا
جلست في مكاني طويلًا
ثم نظرت إلى صورة أمينة وهمست
العائلات لا تنهار فجأة يا أمينة
بل تتآكل ببطء.

بكلمات صغيرة.
وطمع صغير.
وصمت طويل جدًا
حتى يأتي يوم يجلس فيه الأب أمام ابنه
ولا يعرف أيهما أصبح غريبًا عن الآخر.
وأدركتُ أن أصعب ليست تلك التي تأتي من عدو،
بل تلك التي تأتي من شخصٍ ربّيته بيديك، ثم تكتشف أنه كان يعدّ الأيام حتى تعبك بين يديه كميراث.
فالعائلات لا يحطمها الفقر دائمًا
أحيانًا يحطمها الطمع،
والصمت،
والقلوب التي نسيت معنى الرحمة.
وقد يخطئ الأب
وقد
وقد ينشغل بالعمر كله وهو يظن أن المال يكفي ليحمي البيت.
لكن لا شيء يبرر أن يتحول البيت الذي بُني بالتعب والستر
إلى ساحة انتظار صاحبه.
وفي النهاية
لا يوجد ميراث أثمن
من المحبة.
ولا خسارة أمرّ
من أن يجلس الأب أمام ابنه ذات يوم،
ويشعر أنه يتحدث إلى غريب.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى