
قبل شهرين
وجدناه داخل الورشة بعد منتصف الليل.
وأضاف جاسم
وعندما سألناه، قال إنه يراجع الحسابات.
تنهد أبو علي بحزن
لكنه كان يصور العقود.
أغمضتُ عيني للحظة.
لأن الورشة لم تكن مجرد مكان عمل بالنسبة لي.
كانت عمري كله.
عرقي.
وشبابي.
وسنوات الجوع والتعب.
وفكرة أن ابني كان يستعد لبيعها
بدت كأن أحدهم قلبي ببطء.
قالت زهراء وهي تبكي
لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟
أجاب بصوت متعب
لأنني كنتُ أخجل.
ثم رفع عينيه نحوي فجأة وقال
هل تعرف ما الأسوأ يا أبي؟
لم أجب.
فقال
أنني كنتُ أكره نفسي كل ليلة
لكنني كنتُ أعود وأفعل الشيء نفسه.
ساد الصمت مرة أخرى.
وفي الخارج
ارتفع أذان المغرب.
فدخل الصوت إلى البيت كأنه يقطع ذلك الاختناق للحظة قصيرة.
نظر آدم نحوي بعينين دامعتين.
ثم اقترب ببطء وتمسّك بثوبي.
جدي
هل أبي سيأخذ البيت؟
أغلقتُ عيني للحظة.
لأن السؤال كان أقسى من كل
الأوراق والديون.
نظرتُ إلى الطفل الصغير.
ثم إلى ابني المنهار أمامي.
وقلت بهدوء موجع
لا يا حبيبي
البيت سيبقى بيتكم.
بدأ آدم بالبكاء أكثر.
أما رقية
فكانت تنظر إلى والدها وكأنها لا تعرفه.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
أنت
كنتَ تريد أن تبيع بيت جدي؟
انهار سيف تمامًا عند تلك اللحظة.
وأخفى وجهه بين يديه.
أما زهراء
فجلست تبكي بصمت وهي تردد
لماذا فعلت بنا هذا؟
وللمرة الأولى منذ بداية الليلة
لم أشعر بالغضب تجاه ابني.
بل شعرت بالخوف.
الخوف من أن الصمت الطويل داخل العائلات
قد يحوّل الأبناء إلى غرباء دون أن ينتبه أحد.
وفي تلك اللحظة
أدركت أن الحقيقية لم تكن الديون.
ولا القمار.
ولا العقود.
بل السنوات التي عشناها تحت سقف واحد
دون أن يعرف أحدنا ما الذي يتحطم داخل الآخر بصمت.
ظلّ أذان المغرب يتردد داخل البيت
صوتٌ هادئ.
لكنّه كان يمرّ فوق قلوبنا كالسكاكين.
لم يتحرك أحد.
حتى الأطفال جلسوا بصمتٍ غريب، وكأنهم شعروا أن شيئًا أكبر من قدرتهم على الفهم قد انكسر أمامهم.
كان سيف ما يزال مطأطئ الرأس.
ويداه ترتجفان فوق الطاولة.
أما زهراء
فكانت تبكي بصمت وهي تحدّق في أوراق الديون كأنها ترى حياتها كلها تغرق أمامها.
أطفأتُ استكانة الشاي بيدي دون قصد.
فانتشرت رائحة الهيل المحروق في الجو.
الرائحة نفسها
التي كانت أمينة تكرهها.
قالت لي مرة
ريحة الهيل المحروق تشبه البيوت الحزينة.
ولأول مرة
فهمتُ ما كانت تعنيه.
رفع فاضل الملف ببطء.
ثم قال بهدوء ثقيل
يا حاج
ما زال أمامنا وقت قبل أن تتحول المسألة إلى قضية رسمية.
لم أجب.
كنت أنظر فقط إلى ابني.
إلى ذلك الرجل المنهار أمامي
وأحاول عبثًا أن أجد الطفل الذي كان يركض
خلفي في الورشة وهو يضحك.
لكنني لم أجده.
قالت زهراء فجأة بصوت متقطع




