
صمتٌ ثقيل حتى إن صوت الريح اختفى تمامًا.
تجمّدت النساء في أماكنهن.
وأخفض بعض الرجال رؤوسهم من شدة .
أما خديجة فقد بقيت تنظر إليه بعينين فارغتين، كأن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب ما تسمعه.
أكمل مراد بصوتٍ متوتر
عائلة تملك المال أفضل من أن تكبر هنا.
شهقت خديجة.
ووضعت يدها فوق فمها وهي تتراجع إلى
الخلف.
قال الشيخ عبد الرحمن بغضب
مراد مرر يده فوق شعره بعصبية.
ثم قال بسرعة
ارتفعت أصوات الرجال من حوله.
وبدأت الوجوه تتحول إلى غضب حقيقي.
أما خديجة فكانت تحدق فيه وكأنها لم تعرفه يومًا.
ثم قالت بصوتٍ مكسور
سميرة كانت تعرف أليس كذلك؟
ارتجفت شفتا مراد.
وهنا فقط
انكسر.
انخفض مراد فوق التراب فجأة، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
وجهه بين كفيه، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة بصورةٍ مخيفة.
ولأول مرة منذ سميرة
بكى.
لكن بكاءه لم يُحرّك قلب أحد.
وقف الرجال حوله بوجوهٍ ، بينما بقي ، ساكنًا تحت السماء الرمادية، كأنه ينتظر الحقيقة كاملة قبل أن يُوارى التراب.
اقتربت خديجة خطوة أخرى.
كانت قد توقفت عن البكاء.
وذلك كان أكثر ما أخاف الحاضرين.
لأن وجهها بدا كوجه امرأةٍ انهار شيءٌ عظيم داخلها ولم يبقَ سوى الرماد.
قالت بصوتٍ خافت
تكلم.
رفع مراد رأسه ببطء.
كانت عيناه حمراوين، وشفته ترتجف بصورةٍ واضحة.
ثم قال
هي سمعت المكالمة.
ساد الصمت من جديد.
حتى الريح التي كانت تحرك أطراف الأشجار هدأت فجأة، وكأن كلها تنصت إليه.
أكمل بصوتٍ مخنوق
شهقت امرأة بين الحاضرات.
أما خديجة فبقيت تحدق
فيه دون حركة.
وكأنها تخشى أن تسمع بقية الحقيقة.
قال مراد
سميرة كانت واقفة خلف الباب لم أكن أعرف.
ارتجفت أنفاسه أكثر.
دخلت عليّ وهي تبكي سألتني إن كنت
مجنونًا قالت إنها ستهرب بابنتها بعيدًا عني.
ثم أغلق عينيه بقوة وكأنه يحاول الهرب من تلك الليلة.
لكن الذكرى كانت أقوى منه.
قال
توقّف للحظة.
ثم همس
قلت لها إنني لن أسمح بأن تعيش فتاة في بيتي.
ارتجفت خديجة .
وشعرت وكأن الكلمات تُغرس داخل صدرها.
أكمل مراد
أمسكت ذراعي قالت إنها أمام الناس وإنها ستأخذ الطفلة حتى لو اضطرت للهرب ليلًا.
ثم رفع يديه المرتجفتين ونظر إليهما طويلًا قبل أن يقول
خرجت الجملة ضعيفة.
لكن وقعها كان كالصاعقة.
أخفض بعض الرجال رؤوسهم.
بينما شهقت النساء خلف الصفوف.
أما خديجة فقد شعرت بأن الهواء اختفى من حولها.
قال مراد بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه
بدأ
صوته يعلو مع كل كلمة.
رفع رأسه نحو أمه بعينين غارقتين بالرعب
أنا خفت.
ساد الصمت.
ثم أكمل بصوتٍ مكسور
في الطريق إلى المستشفى كانت تمسك بطنها وتبكي لكنها لم تدعُ عليّ.
أغمض عينيه وهو يبكي.
كانت فقط تقول ابنتي ابنتي.
لأنها تذكرت فجأة وجه سميرة في آخر مرة رأتها فيها.
شاحبًا.
خائفًا.
ومليئًا برجاءٍ صامت لم تفهمه وقتها.
قال الشيخ عبد الرحمن بصرامة
وأين الطفلة الآن؟
ارتجف مراد مجددًا.
ثم قال بصوتٍ خفيض
مع الرجل.
تحرك الرجال نحوه فورًا.
لكن الشيخ رفع يده طالبًا منهم التراجع.
اقترب من مراد وقال
هل أعطيته الطفلة بالفعل؟
هزّ رأسه ببطء.
شهقت خديجة وكأن أحدهم .
ثم ؟!
أخفض رأسه ولم يجب.
وكان صمته أقسى من أي اعتراف.
اقتربت خديجة منه بسرعة.
ثم صفعت وجهه بقوة حتى التفت رأسه إلى الجانب.
دوّى صوت الصفعة في كلها.
وقالت وهي تبكي
هي وهي خائفة على ابنتها منك!
بدأت النساء بالبكاء بصوتٍ مرتفع.
أما الرجال فراحوا ينظرون إلى مراد باشمئزازٍ وغضب.
قال أحدهم
اتصلوا بالشرطة فورًا.
بينما أمسك آخر هاتفه بالفعل.
أما مراد فظل جالسًا فوق التراب، ينظر إلى بعينين ضائعتين.
ثم همس
لم أكن أكره سميرة.
ضحكت خديجة بمرارة.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
ثم قالت
لو كنت أحببتها لما بهذا الخوف.
أخفض رأسه من جديد.
ولم يرد.
اقتربت خديجة من ببطء.
وضعت يدها المرتجفة فوق الخشب.
ثم همست والدموع تسيل بصمت
سامحيني يا ابنتي أقسم لكِ والله
أقسم لك أنني سأعيد طفلتك. وسأربيها أنا بنفسي حتى تكبر وتصير عروسة.
كانت كلماتها تخرج بصعوبة.
لكن شيئًا تغيّر بعدها.
شعر الواقفون به جميعًا.
ذلك الثقل الغريب الذي كان يملأ المكان
اختفى.
نظر الرجال إلى بعضهم بدهشة.
ثم اقترب أربعة منهم بحذر.
ورفعوه.
هذه المرة
ارتفع بسهولة.
كأنه لم يكن ثقيلًا يومًا.
تراجع الرجال .
بينما أجهشت خديجة بالبكاء.
وأدركت في تلك اللحظة أن سميرة لم تكن عن الرحيل
كانت فقط تتمسك بالعالم حتى تطمئن على ابنتها.
تحرك موكب أخيرًا نحو .
وكان صوت التراب تحت الأقدام حزينًا بصورةٍ لا تُحتمل.
أما مراد
فبقي جالسًا وحده وسط .
والناس تمر بجانبه وكأنه لم يعد واحدًا منهم.
وفي تلك اللحظة، أدرك
للمرة الأولى أن بعض الأخطاء لا يُصلحها الندم.
وأن بعض الأرواح
ترفض الرحيل قبل أن تنقذ أبناءها.




