منوعات

كان جوز أمي

في تلك الليلة الشتوية القاسية، كانت الأجواء داخل المنزل مشحونة بالتوتر. انهمرت الأمطار بغزارة، بينما كنت أقف في المطبخ أحاول إنجاز أعمالي اليومية بهدوء لتفادي أي احتكاك قد يثير غضب زوج والدتي، عادل. بالنسبة لأهل الحي، كان عادل يمثل شخصية الرجل الوقور المبتسم دائماً، لكن خلف الأبواب المغلقة كان يفرض نمطاً من التعامل الصارم والظالم الذي جعل الخوف رفيقاً دائماً لي.

 

تصاعدت حدة النقاش في ذلك المساء بسبب ضغوط العمل التي واجهها، ولم يتأخر الوقت حتى تحول التوتر إلى تصرف قاسٍ أدى إلى إصابتي في ذراعي بشكل بليغ. لم تكن والدتي، نادية، تملك القدرة على مواجهته، ففضلت الصمت ومحاولة استيعاب الموقف للحفاظ على استقرار البيت، متجاهلة حجم المعاناة التي أعيشها.

نقطة التحول في المستشفى
عند وصولنا إلى مستشفى القصر العيني، حاولت والدتي إقناع الكادر الطبي بأن الإصابة نتجت عن سقوط عابر من على الدرج. إلا أن الطبيب المسؤول، دكتور شريف، لاحظ بعين الخبير أن المؤشرات الظاهرة لا تتطابق مع الرواية المذكورة. وبدافع من مسؤوليته المهنية والإنسانية، آثر الطبيب اتخاذ الإجراء الصحيح بطلب الجهات المعنية للتحقيق في خلفيات الإصابة.

ما لم تكن والدتي أو عادل يعلمانه، هو أنني طوال الأشهر الماضية لم أكن مستسلمة تماماً؛ بل قمت بجمع وثائق وتسجيلات تؤرخ لطبيعة المعاملة القاسية التي أتعرض لها، وحفظتها بملف خاص أرسلته لاحقاً بمساعدة الأخصائية الاجتماعية في مدرستي إلى جهة قانونية مختصة بحماية القاصرين.

بدء التحقيقات الرسمية
سرعان ما تغير المشهد داخل أروقة المستشفى، حيث وصلت قوة من الشرطة لبدء التحقيق الفوري. اطلعت الضابطة مسؤولة الحالة على الأدلة الرقمية التي قدمتها من هاتفي، والتي شملت توثيقاً للمشاحنات المستمرة والتهديدات التي كنت أتلقاها. أحدثت هذه الأدلة تحولاً جذرياً، حيث أُلقي القبض على عادل وتم استدعاء والدتي للتحقيق بتهمة الإهمال وعدمتقديم الحماية اللازمة.

داخل أروقة قسم الشرطة، بدا الانكسار واضحاً على عادل للمرة الأولى بعد مواجهته بسجل الشكاوى القديمة التي سُحبت سابقاً وبشهادات الجيران. ورغم محاولات والدتي تبرير موقفها بأنها كانت تحاول الحفاظ على كيان الأسرة، إلا أن سلطات التحقيق قررت إحالة القضية إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية.

رحلة البحث عن بيئة آمنة
تولت الأخصائية الاجتماعية رعاية حالتي، وتم نقلي بشكل مؤقت إلى دار رعاية متخصصة توفر بيئة هادئة ودعماً نفسياً واجتماعياً للفتيات اللواتي مررن بظروف مشابهة. هناك، ولأول مرة منذ سنوات، بدأت أشعر بمعنى الاستقرار والطمأنينة بعيداً عن أجواء التهديد المستمر.

ومع ذلك، لم تكن مرحلة التقاضي سهلة؛ إذ تطلبت الإجراءات حضور جلسة مواجهة مباشرة في المحكمة. حاولت الدفاع تقديم طلبات استئناف لإعادة صياغة الأحداث، وظهور عادل بمظهر المواطن الملتزم، إلا أن النيابة العامة عرضت كافة التسجيلات والأدلة القاطعة أمام هيئة المحكمة، مما جعل الحقيقة واضحة للجميع. وخلال الجلسة، اعترفت والدتي أخيراً بحجم الضغوط والتهديدات التي كانت تتعرض لها هي الأخرى، مما كشف عن عمق الأزمة الأسرية.

الحماية المشددة وكلمة القضاء الفصل
نظراً لوجود بعض التحديات والرسائل غير الواضحة التي وصلت للدار، اتخذت الجهات المختصة قراراً احترازياً بنقلي إلى مقر حماية إضافي خارج المدينة لضمان سلامتي الكاملة حتى صدور الحكم النهائي. أمضيت تلك الأسابيع في التفكير والتخطيط للمستقبل، واكتشاف مكامن القوة في شخصيتي وتجاوز مرحلة الخوف.

وفي نهاية المطاف، أصدرت المحكمة حكمها العادل يقضي بعقوبة السجن لفترة طويلة بحق عادل نتيجة التجاوزات الثابتة بحقه، مع استمرار التحقيقات الخاصة بملف الإهمال العائلي المتعلق بوالدتي. لم يكن هذا الحكم مجرد نهاية لمعاناة دامت سنوات، بل كان بمثابة البداية الحقيقية لرحلة بناء حياة جديدة قائمة على الاستقلالية والأمان، متطلعة إلى المستقبل بثقة وتفاؤل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى