قصص و روايات

جوزي كدب على امه

الفصل الأول
لو كنتِ فعلًا ست بيت شاطرة… ابني ما كانش هيكلمني وهو بيعيط عشان نفسه في أكل بيت.
كانت دينا الشاذلي لسه فاتحة باب لما سمعت الجملة دي.
راجعة من شغلها بعد اتناشر ساعة كاملة في مشتل كبير على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، كانت شغالة مشرفة على قسم النباتات. يونيفورمها مليان تراب، كم جاكتها مبلول بعد ما ماسورة انفجرت في صوبة النباتات، وضهرها واجعها لدرجة إنها بالعافية خلعت الجزمة.
أول ما دخلت الصالة، وقفت مكانها.
في نص الطرقة كانت مرصوصة شنط سفر كبيرة، وكرتونة بلاستيك مليانة علب أكل، وشنطة سفر نبيتي.
أما المطبخ…
فكان طالع منه ريحة سمنة بلدي وثوم محمّر وشوربة بتغلي.
بصت جوه…
ولقت الحاجة فاطمة عبدالعزيز، حماتها، واقفة قدام البوتاجاز بتقلي بانيه، ولابسة مريلة مشجرة.
جنبها كان جوزها كريم منصور، واقف مبتسم بفخر، كأنه حل

أزمة اقتصادية.
ابتسم وقال
مفاجأة يا دينا… أمي جت تقعد معانا كام يوم تساعدنا.
دينا بصت له بعدم استيعاب.
دي… كانت هي. ورثتها عن جدتها قبل الجواز.
تلات أوض، أرضية باركيه قديمة، سيراميك كلاسيك، ومواسير بتعاند كل شوية…
بس أهم حاجة…
من غير قسط ولا بنك ولا ديون.

كريم نقل يعيش معاها من تلات شهور.
جاب معاه جيتار، وكام جاكيت غالي، ووعد كبير إنه قريب هيبقى من أشهر مصممي مواقع الإنترنت.
لكن لحد دلوقتي…
كل اللي عمله كام موقع بسيط كل فترة، ياخد عليهم مبلغ بسيط، وبعدها يقضي باقي الأسبوع ممدد على الكنبة بيتفرج على فيديوهات.
أما دينا…

فكانت هي اللي بتدفع كل حاجة.
الكهربا.
الغاز.
النت.
جمعية العمارة.
الأكل.
حتى أكل القطة.
أما كريم…
فكان عنده طاقة يطلب لحمة في الفرن وسلطة وفاكهة وحلو…
لكن ما عندوش طاقة يغسل طبق واحد.
قالت وهي باصة له

ممكن أفهم… مامتك جت ليه؟
الحاجة فاطمة سابت المعلقة، ومسحت إيديها في المريلة، وقالت بابتسامة فيها شفقة أكتر منها ود
عشان كريم قالي إنك كل ليلة بتعيطي من التعب… وإنك نفسك في أكل بيت… وإنه بقى بينام جعان لأنك مبقتيش تطبخي.
لفت دينا وشها ناحية جوزها بالراحة.
كريم وسّع عينيه، وكأنه بيتوسل لها تكمل الكدبة.
قالت بهدوء مخيف
أنا طلبت منك تكلم مامتك؟

رد بسرعة
يا دينا بلاش تعملي مشكلة من ولا حاجة… أنا بس كنت بحاول أحل الوضع. أمي بتطبخ أحسن منك، وإيه يعني لما يبقى عندنا أكل محترم؟
حست إن كل تعب اليوم اتحول فجأة لغضب.
بصت لحماتها وقالت باحترام
يا طنط فاطمة… أنا مقدرة تعبك، بس أنا ما طلبتش منك تيجي. أنا بشتغل طول اليوم عشان أصرف على البيت ده. ابن حضرتك بيقعد هنا بالساعات، وما بيحركش حتى كباية من مكانها. أنا مش محتاجة واحدة تطبخلي… أنا محتاجة راجل يشيل مسؤوليته.

وش كريم احمر من الغضب.
وصاح
إنتِ إزاي تكلمي أمي بالطريقة دي؟
ردت من غير ما ترفع صوتها
من حقي… لأن أنا اللي أحدد مين يعيش في دي.
سكتت الدنيا كلها.
ضحك كريم بسخرية وقال

بقى عشان كام كلمة واتقالوا على الأكل؟
ردت وهي ثابتة في مكانها
مش عشان الأكل.
سكتت لحظة…
وبعدين كملت
عشان دي شقتيلابس هدوم نضيفة.
وشه مرتاح.
ضوافره متقلمة ونضيفة.
واضح إنه لسه واخد دش، وشبعان.
في اللحظة دي…
ملامحها اتغيرت.
قالت بهدوء غريب
أنا صدعت شوية… هدخل أرتاح. بكرة الصبح نتكلم.
ابتسم كريم، وهو فاكر إن أمه هتطلع تدافع عنه، وتوقف دينا عند حدها.
لكن أول ما دخلت الضيوف وقفلت الباب…
ما نامتش.

طلعت موبايلها.
واتصلت بجوزها.
أول ما رد، قالت جملة واحدة
يا حاج حسن… تعالى حالًا. ابننا طلع محتاج يتربى من أول وجديد… والليلة دي هنبدأ.
الفصل الثاني
أول ما الباب اتقفل على الحاجة فاطمة، الصالة اتملت بسكوت تقيل زي الحجر. كريم كان واقف مكانه، ملامح الصدمة والذهول مرسومة على وشه، عينيه رايحة جاية بين باب أوضة الضيوف اللي أمه دخلتها، وبين دينا اللي كانت واقفة بكل ثبات، رغم إن ركبها كانت بتترعش من كتر التعب.

كريم نفخ بضيق، وحط إيديه في جيبه وهو بيحاول يسترد كبريائه اللي اتبعثر في ثواني، وقال بصوت واطي بس كله غيظ
عاجبك كده؟ ريحتي ضميرك؟ كسرتي بخاطر ست كبيرة جاية تعبانة وشايلة شيلتها عشان تخدمنا؟
دينا ما ردتش عليا بكلمة. مشيت خطوتين ببطء، سحبت كرسي السفرة وقعدت عليه لأن ضهرها ما بقاش شايلها. لمت شعرها اللي اتبل من مية الصوبة لورا، وبصت له بعيون حمرا من قلة النوم وقالت بصوت هادي وقاتل
تخدمنا؟ ولا تخدمك يا كريم؟

هو أنا مش جوزك؟! زعق كريم وهو بيقرب منها، وبدأ يلوح بإيديه هو إيه اللي تخدمك وتخدمنا؟ ما هو اللي بيدخل بطني بيدخل بطنك! وبعدين إيه النغمة الجديدة دي؟ شقتي.. شقتي.. شقتي! من إمتى وفي بنا الكلام ده يا دينا؟ إحنا متجوزين، يعني اللي ليكِ ليا، واللي ليا ليكِ.
ضحكت دينا ضحكة مكتومة، ضحكة كلها وجع وسخرية
واللي ليك فين بقى يا كريم؟ الجيتار؟ ولا المواقع اللي بتعملها ببلاش لأصحابك عشان يظبطوك؟ ولا اللبس الغالي اللي بتشتريه بالفيزا بتاعتي؟

كريم وشه جاب ألوان، واتعصب أكتر
أنا بأسس لشغلي! إنتِ فاكرة تصميم المواقع ده زي زرع الطماطم والخيار بتوعك؟ ده فن.. ده محتاج هدوء وروقان ودماغ تانية خالص عشان أطلع فكرة تكسر الدنيا وتجيب ملايين! إنتِ اللي مستعجلة، وبتبصي تحت رجليكِ، ومعندكيش طموح.
دينا بصت له من فوق لتحت. اليونيفورم بتاعها اللي مبهدل تراب ومية كان بالنسبة لها شرف، وتعب اتناشر ساعة في المشتل تحت الشمس والمطر كان بكرامتها. قالت له

وهي بتقوم وتقف قدامه بالظبط
أنا معنديش طموح؟ أنا بصرف على البيت ده قرش بقرش بقالي تلات شهور. بطلع من الفجر أرجع نص الليل عشان أدفع إيجار الجمعية، والنت اللي حضرتك قاعد عليه طول النهار بتتفرج على تافهة، واللحمة اللي بتطلبها بالاسم. طموحك ده لو مش هيأكلك عيش، يبقى اسمه فظاعة وقلة حيلة. وأنا خلاص.. شطبت.
يعني إيه شطبتِ؟ سألها كريم وهو بيسخر منها ويقرب خطوة هتعملي إيه يعني؟ هتطرديني؟
قبل ما دينا ترد، سمعوا صوت حركة جوه أوضة الضيوف. الصوت كان عالي شوية، كأن الحاجة فاطمة بتتحرك بعصبية. كريم اتراجع خطوة ووشوش دينا
وطي صوتك.. أسم الله عليها أمي لو سمعتك وأنا في البيت ده، مش هتقعد فيه دقيقة، وأنا مش هسمح لكِ تقللي من كرامتي قدامها.
دينا سابته ودخلت أوضتها من غير ما تتكلم كلمة زيادة. قفلت الباب، ووقفت وراه ودموعها نزلت غصب عنها. دموع قهر وتعب. قلعت الجاكت المبلول، وغيرت هدومها، وبصت في المراية.. لقت تحت عينيها هالات سودا، ووشها دبلان. سألت نفسها هو أنا قصرت في إيه عشان يعمل فيا كده؟ ويجيب أمه يتبلى عليا قدامها؟

في نفس الوقت، جوه أوضة الضيوف، الحاجة فاطمة كانت قاعدة على ، عينيها مش جاي فيها نوم. كلام دينا كان زي الكرباج اللي فوقها. هي صحيح بتحب ابنها، ومفيش أم بتكره ابنها، بس الحاجة فاطمة ست أصيلة، شبعانة وعارفة الأصول.
افتكرت شكل دينا وهي داخلة من الباب.. التراب والمية المتبهدلة بيهم، الخدوش اللي في إيديها من شوك النباتات، والجزمة اللي خلعتها بالعافية من كتر ورم رجليها. واقتبست من الناحية التانية شكل ابنها كريم.. ناعم، نضيف، قاعد في التكييف، وكمان بيتبلى على البنت ويقول مبتطبخش وبتعيط من التعب.
هزت راسها بحسرة وتمتمت بقى بتشتغل وتصرف عليك يا كريم، وإنت قاعد تتدلع وتتبغدد؟ وتجيبني أنا كمان عشان أكل وأشرب على حساها وأقهرها في بيتها؟ والله ما هسيبك.

الساعة بقت اتنين بالليل.
البيت كله هس هس. دينا كانت نامت من كتر الإرهاق، وكريم كان نايم في الصالة على الكنبة وهو قالب بوزه وشايل طاجن ستة وستين، مستني الصبح عشان يكمل ويخلي أمه تقف في صفه.
لكن الصبح ما جاش زي ما كريم متوقع خالص.
الساعة ستة الصبح، والضوء يادوب بيشقشق، البيت اتهز على دبت رجلينا قوية وصوت جرس الباب وهو بيرن ورا بعضه بعنف.
كريم اتنفض من على الكنبة وهو مخضوض في إيه؟ مين على الصبح كده؟

دينا كمان صحيت من النوم مخضوضة، طلعت بسرعة بالترنج بتاعها وهي مش فاهمة في إيه.
الحاجة فاطمة طلعت من أوضتها بكل هدوء، ولابسة عبايتها وطرحتها كاملة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي. مشيت بخطوات ثابتة وفتحت الباب.
على الباب كان واقف الحاج حسن منصور.. أبو كريم. راجل هيبته تملا المكان، ديرع وعريض، شغال مقاول مباني في طنطا، وإيديه خشنة من شقا العمر. وراه كان واقف اتنين رجالة من ولاد أخت الحاجة فاطمة، شباب بعافية وصحتهم شديدة.
كريم أول ما شاف أبوه، ريقه نشف وفك الحنك بتاعه اتدلى بابا؟! إيه اللي جابك على الصبح كده؟ في حاجة حصلت في البلد؟

الحاج حسن ما ردش عليه. دخل الصالة بخطوات تقيلة هزت الباركيه القديم، وبص لحرمه المصون وقال خير يا أم كريم؟ كلمتيني بالليل وقلتيلي تعالي على ملا وشك وفيه مصيبة.. في إيه؟
الحاجة فاطمة شاورت على كريم بصباعها وقالت بصوت قوي وواضح
المصيبة واقفة قدامك أهي يا حاج حسن. ابنك اللي كبرناه وعلمناه وقولنا هيبقى راجل يشيل اسمك.. طلع عالة. عايش في شقة مراته، بياكل من خيرها وفلوس شقاها وتعبها، وكمان بيكدب عليا ويقولي الحقيني دي مابتطبخش وبتخليني أنام جعان، عشان أجيب الشنط دي كلها وأجي أقعد على قلب البنت الغلبانة الشقيانة!
كريم اتصدم، وبدأ يقطع في الكلام أمي.. إنتِ بتقولي إيه؟ أنا.. أنا جوزها ومسؤول عنها!
مسؤول عنها بإيه يا وكسة؟ الحاج حسن زعق زعقة خلت كريم يتطوح لورا من الخضة بتصرف عليها كام في الشهر؟ وريني كشف حسابك كده يا سبع الرجال؟

الحاج حسن لف وشه لدينا، وبص لملامحها التعبانة، وقال بنبرة كلها أسف وأصول سامحينا يا بنتي.. إحنا ربّينا، بس الظاهر إن الدلع بوّظ. الشقة دي شقتك، وكرامتك من كرامتنا.
وبعدين التفت لكريم، وعينيه بتطلع شرار برة.
كريم بربش بعينيه يعني إيه برة يا بابا؟
الحاج حسن شاور للشباب اللي معاه وقال شيلوا الشنط دي كلها.. وخدوا معا الجيتار بتاعه واللبس والشهادات اللي ملهاش عازة دي. الواد ده من اللحظة دي ملوش لقمة في البيت ده، ولا هيدخله تاني إلا لما يبقى راجل بجد ويعرف يعني إيه بيوت ناس ويعني إيه مسؤولية.

كريم بدأ يصرخ يا بابا إنت بتطردني من بيت مراتي؟ دينا.. قولي حاجة!
دينا كانت واقفة، مرّت عليها لحظة شافت فيها كل الأيام اللي فاتت.. شافت نفسها وهي بتجري ورا الأتوبيسات في الحر، وشافت شكل كف إيديها المتبهدل، وشافت كريم وهو نايم على الكنبة بيطلب منها تعمل له عصير وهو ماسك الموبايل. وبصت له بكل برود وقالت
أبوك بيتكلم صح يا كريم.. البيت ده محتاج راجل يشيله، وإنت لسه قدامك كتير عشان تبقى الراجل ده.
الشباب دخلوا الأوضة، لموا كل حاجة تخص كريم في ثواني، وطلعوا الشنط برة. الحاج حسن مسك كريم من دراعه بقوة، وسحبه وراه زي العيل الصغير. كريم كان بيبص لدينا بنظرات كلها غل وندم مخفوقين ببعض، بس خلاص.. الباب اتقفل في وشه.

فضلت الحاجة فاطمة واقفة في الصالة مع دينا. قربت منها، وحطت إيديها على كتف دينا وحضنتها
متزعليش مني يا بنتي.. أنا جيت فاكرة إنك مقصرة، بس لما شفت تعبك وشفت نظافتك وأصلك، عرفت إن ابني هو اللي ما يترماش لقمة لكلب. أنا هسيبك ترتاحي دلوقتي، وأنا والحاج هنربيه من أول وجديد في طنطا.. وال شقة دي مش هيعتبها إلا وهو دافع مهرك وتعبك قرش ينطح قرش.
مشيت الحاجة فاطمة وقفلت الباب وراها، وسابت دينا في وسط الصالة الفاضية.. بس المرة دي، السكوت مكنش تقيل. كان سكوت مريح.. سكوت بداية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى