روايات وققص

شوف يابني

ما يقلقكش يا بنتي.. الدعوى دي ضعيفة أوي، والأدلة كلها معانا.. بس هنحتاج نثبت كل حاجة تاريخ ملكيتك، شهادة الجيران، التسجيلات اللي جمعتيها، كل حاجة
بدأت أجمع الأدلة.. الجيران شهدوا إنها هي اللي جت تسكن معانا مؤخرًا، وإنهم شافوني داخلة ورايحة شغلي بانتظام، وما حد شافني أطرد حد.. وجدت تسجيل صوتي صدفة من تسجيلات تليفوني القديم، فيه كلامها وهي تقول إنها جت تأخذ اللي ليها وإن سامح مش هينول حقه إلا بالصبر.. كان الدليل القاطع!
في جلسة المحكمة، دخلنا وكل واحد بيحكي قصته.. حماتي كانت جالسة وراه، بتبصلي بشر، وسامح بيحكي قدام القاضي كأنه مظلوم
هي طردتني يا سيدي القاضي.. قالتلي امشي برة ومالكش مكان هنا.. وأنا زوجها لي حقوق!
القاضي بص لي
وعندك ما تردي به؟
قمت وقفت بكل ثقة
أنا ما طردتش حد يا سيدي.. طلبت منه يبتعد عني فترة بسيطة عشان نهدأ.. وكل ما في الأمر إن حماتي جت تسكن معانا وبدأت تتدخل في كل تفاصيل حياتنا، وبدأت تؤثر عليه.. وهدفهم الوحيد كان البيت اللي ورثته من أهلي
عرضت الأوراق شهادة ملكية البيت بتاريخ قبل الجواز بسنوات، شهادة الوفاة، إثباتات عملي وانتظامي، ثم طلبت تشغيل التسجيل..
لما سمع القاضي كلام حماتي وهي بتدبر الخطة، اتغيرت ملامحه.. بص لسامح بجدية
يعني أنتَ كنت عارف إن البيت بتاعها وحدك.. واتفقت مع والدتك تبتزّها وتنتزعه منها؟!
سامح اتخض
أنا.. أنا ما كنتش أعرف إنها بتقصد كده.. هي قالتلي غير كده!
كلامك واضح في التسجيل.. واتفاقك معاها مثبت قال القاضي الدعوى مرفوضة.. وتكاليف القضية عليك.. وإن حاولت ترفع دعوى تانية بخصوص الموضوع ده، هتتعرض للمساءلة القانونية
خرجنا من المحكمة.. سامح كان مكسوف ومحبط، وحماتي كانت تمشي وراه ببطء، ما تجرأت تبص لي.. وقفت قدامهم
القرار باقي كما هو.. تفضلوا تقعدوا معايا باحترام، أو تفضلوا مكان تاني.. بس ما تحاولوش تاني
الجزء الخامس
الأيام اللي جت كانت صعبة.. حماتي تغيرت معاملتها معي تمامًا، سكتت عن التدخل، بس نظرات الحقد ما فارقتني.. وسامح كان بين نارين أمه اللي ربته، ومراته اللي بيتها بيحاول ينتزعها.
وذات ليلة، كنت قاعدة في الصالة، سمعته بيصيح عليها في أوضتها
أنتِ السبب في كل ده! خليتني أكره العيشة معاها.. خليتني أبدو وحش قدامها وقدام الناس!
أنا عملت كل ده عشانك يا ولدي.. عشان تضمن مستقبلك!
بغض النظر عن الفلوس والبيت.. أنتِ دمرتي علاقتي بيها! كنت بحبها.. كنت بثق فيها.. وكل ده راح!
سكتت من ورا الباب.. حزنت عليه، وحزنت على السنين اللي مضت.. بس كنت عارفة إن الثقة لما تتهدم مش بتبنى بسهولة.
بعد أسبوع، جاني سامح وأنا قاعدة في المطبخ.. بدا مرهقًا، شعره متفكك، وعيناه حمراء
ممكن نتكلم؟
اتفضل
قعد قدامي
أنا آسف.. آسف على كل حاجة.. ما كنتش عايز الأمور تصل لكده.. بس أمي.. أمي خوفني وقالتلي إنك هتتركني في يوم من الأيام وأبقى من غير بيت ولا مأوى.. صدقت كلامها
أنا ما كنتش هسيبك أبدًا يا سامح.. بس اللي عملته أنتِ وأمك جرحني بعمق.. الثقة اللي بينا اتكسرت
أعرف.. وعارف إن الكلام ما يصلحش.. بس عايز فرصة.. عايز أحاول نرجع زي ما كنا.. وأمي.. هي هترجع بيتها
نظرت ليه بتفكير.. كنت حاسة بوجعه، بس خوفي كان أقوى
سامح.. الرجوع مش بالكلام.. لازم يتغير الفعل.. لازم تثق فيّ بصدق، وتوقف أي تدخل خارجي.. ونبني كل حاجة من الأول ببطء
أوافق.. كل اللي تطلبه
بعد يومين، رجعت حماتي لبيتها.. ودعتني ببرود، بس في عينها لمحة ندم خافتة ما عرفت أتأكد منها.. قالت بس اعتبريني غلطت.. وربنا يهديكِ ومشيت.
بدأت مرحلة جديدة.. صعبة ومترددة، بس كنا نحاول كل يوم نكون أحسن من اللي قبله.. سامح ساعدني في البيت، سألني عن رأيه في أمور كتير، ووقف جنبي في قراراتنا.. كنت أشعر بصدق محاولاته، بس الجرح لسه بينا.
الجزء السادس النهاية
مرّت السنين ببطء وثبات.. علاقتنا استردّت دفئها ببطء، لكنها لم تعد كما كانت تمامًا.. صارت أقوى وأعمق، لأننا تعلمنا أن الاحترام هو أساس كل شيء.
سامح أصبح شريك حقيقي لي، لا مجرد زوج يأمر ويطلب.. كان يشاركني كل قرار، ويحترم رأيي، ويقف جنبي في الشدة قبل الرخاء.. وحماتي زارتنا بين الحين والحين، تغيرت كتير، صارت تحترم حدودي، وتكلمني باحترام.. قالت لي مرة بصدق كنت خايفة عليه.. وخوفي خلاني أعمى.. سامحيني يا بنتي وسامحتها بقلبي، لأن المغفرة تريح الروح قبل أي شيء.
وذات يوم، وقفنا معًا في شرفة بيتنا، ونظرنا للشارع اللي تحتنا.. مسك سامح إيدي وقال
تعرفي.. كنت فاكر إن البيت ده هو اللي بيضمني.. اكتشفت إن الأمان مش في الحيطان، في اللي بيقعدوا جنبك ويحبوكِ بصدق
ابتسمت وضغطت على يده
الأمان بيتبنى بالثقة يا سامح.. والثقة بتتكسر بسهولة، بس لما تتعافى بتبقى أقوى من الأول
بعد سنوات، ورثنا حماتي بيتها بعد ما رحلت.. قررنا نحوله لملجأ صغير للستات اللي بمرن بنفس التجارب اللي مريت بيها.. نعلمهن حقوقهن، ندعمهن، ونقول لهن قيمتك مش في رضا أحد عنكِ.. قيمتك في نفسكِ
كبر أولادنا، وسمعوا القصة.. علمتهم إن البيت الحقيقي ما يُبنى بالحجارة والأسمنت، بل بالصدق والاحترام والمحبة اللي ما تتلاعب فيها.. علمتهم إن
كل واحد له حدود لازم يحترمها ويحترم حدود غيره، وإن الحق وإن طال بيظهر في النهاية.
وذات يوم، سألتني ابنتي الكبيرة
ماما.. لما سمعتيهم بيخططوا عليكي، ما خفتيش؟
قلتلها بابتسامة
خفت يا حبيبتي.. بس خوفي من فقدان نفسي كان أقوى.. ما سمحتش لحد يخليني أشعر إنني أقل من أي حد.. الكرامة يا بنتي أغلى ما نملك، وما نبيعها أبدًا
وظل بيتنا مفتوحًا بابه للخير.. لا للغش ولا للخداع، بل للحب الصادق والاحترام المتبادل.. وبقيت القصة تُحكى جيلًا بعد جيل، تُعلم أن الحق لا يموت، وأن الصدق يبقى، وأن كل من يحاول أخذ ما ليس له سيعود فارغ اليد.. وإن أقوى سلاح المرأة هو وعيها بنفسها وثقتها بحقها.
وكانت النهاية.. بداية لحياة بنيناها على أساس صلب، لا يهزّه ريح ولا يغرّه مطر، باقية ببقاء الحب والصدق والكرامة.
تمت بحمد الله

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى