
في الصالة، وأنا بفكر في كل حاجة.. المفروض أتخانق؟ أصرخ؟ أطلب منها تمشي؟ ولا أهدي وأحضر للعرض اللي هي بدأت تعزفه من زمان؟
مازن جاي من ورايا وحط إيده على كتفي مالكِ يا حبيبتي؟ وشكِ مش عاجبني من الصبح.
التفت له بكل هدوء عارفة إن عزومة النهاردة مش عادية يا مازن؟ عفاف كانت بتتصل بأختها تيسير أمس وقالت لها تعالوا تشوفوا القرف اللي بآكله إياه.. وإنها عايزة تدوقهم الأكل بتاعي عشان يضحكوا عليّ كلهم!
مازن اتغير لون وشه متأكدة إنها قالت كده؟
سمعتها بأذنيّ.. بصيت له بكل ثبات. أنا مش عايزة مشاكل، بس لو حاولت تفضحني قدام الناس، أنا مش هسكتة زي ما أنا سكتة من قبل كده. ده بيتي، وكرامتي مش للعبة!
مازن تنهد بثقل أنا هكلمها.. هقوللها توقف الكلام ده.
متتكلمهاش دلوقتي.. خلينا نشوف هتعمل إيه الأول. رديت بكل هدوء. اللي بيحب يلعب لازم يتحمل نتيجة لعبه.
الساعة 7 المسا، الناس بدأت تيجي.. خالته تيسير، عمته كوثر، ابن عمها كمال، وست أفراد من العيلة زي ما قالت. عفاف كانت مستقبلاهم بابتسامة ورياء، بتعانقهم وتقول نورتوا البيت يا جماعة.. تعالوا شوفوا الحال اللي أنا عايشة فيها!.. بصت لي بطرف عينها نظرة انتصار كأنها قالت شفتي؟ دلوقتي الكل هيشوفكِ زي ما أنا شايفاكِ!
دخلوا الصالة، والكل قعد.. أنا كنت واقفة بهدوء، مشيت للمطبخ وجبت الأطباق واحد تلو التاني.. محشي، كفتة، فراخ مشوية، سلطة طازجة، أرز، وحلويات.. كل حاجة عملتها بحب وإتقان، ولونها ورائحتها بتقول إن اللي عملها فنانة مش خدامة!
عفاف بصت للأطباق بامتعاض مصطنع، وقالت بصوت مسموع للكل يلا يا جماعة تفضلوا.. تذوقوا وتقولولي رأيكم بصراحة.. أنا من يوم ما جيت ما أكلتش إلا من غير نفسي، بس قلت لازم تجربوا أنتوا كمان!
بدأت العيلة تأكل.. وأنا واقفة في الزاوية شايفة كل حركة. أول ما أكلت خالتها تيسير، اتغير وشها إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده يا عفاف؟ الأكل حلو أوي ونظيف!
عمته كوثر أكلت كمان وقالت حلو جداً.. بهاراته مظبوطة والطعم طيب أوي!
عفاف اتلبكت ده.. ده حلو بس ناقصه حاجة.. يعني مش زي ما بنعملوا في البلد!
كمال ابن عمها ضحك يا ستي ده أحسن من أكلات كتير بنأكلها برة! تيجي تقوليلي ده وحش؟!
عفاف شافت إن خطتها فشلت في أول خطوة، فقررت تغير المسار.. رفعت طبق المحشي وقالت شكله حلو بس الملوحة زيادة أوي.. مريم انتي دايماً بتغلطي في الملح!
مدت يدها تسيب الطبق عشان يتبين إنها مش عاجبها، بس في اللحظة دي.. سمعنا صوت تليفونها اللي كان على الطاولة جنبها.. مكالمة مسجلة بدأت تشتغل لوحدها!
الكل سكت.. والصوت طلع واضح ومسموع للكل
تعالوا يوم السبت يا تيسير.. تعالوا شوفوا حالتي عاملة إزاي، وعشان بالمرة تشوفوا الهانم عايشة إزاي وممشية ابني إزاي! لا لا.. م تجيبوش أكل معاكم خالص! أنا عايزاكم تدوقوا الأكل والقرف اللي بتعملهولنا هنا بنفسكم!
الصوت صوت عفاف.. كلامها بالحرف الواحد.. الكل اتجمد مكانه.. العيون اتجهت لعفاف اللي وشها بقى أحمر زي الطماطم من الخجل والغضب!
مازن قام من مكانه ببطء، وبص لأمه بنظرة ما شفتهاش في حياتي.. نظرة قرف واشمئزاز وغضب كلها في نظرة واحدة ده الكلام اللي كنتِ بتقوليه؟! بتدعي الناس عشان تفضحها وتخليهم يضحكوا عليها؟!
عفاف حاولت تبرر ده.. ده مش صوتي! حد سجله لي وحطه!
ده صوتك يا أمي.. كلنا سمعناه! رد مازن بكل قسوة. استغربتِ لما الأكل عجبهم؟ كنتِ متوقعة إنهم يكرهوه عشان تثبتي كلامك الكاذب! أنا مش مصدق إنك تعملي كده في بيتي وفي مراتي!
خالتها تيسير قامت بغضب إزاي تعملي كده يا عفاف؟ البنت عاملة كل حاجة عشان تريحك وأنتِ بتدبري ليها المكائد قدامنا؟ ده مش كلام أم ولا كلام ست كبيرة!
عمته كوثر كمان قامت أنا خارجة من هنا.. مش عايزة أشوف خناقة ولا مشاكل.. بس حقيقي خيبة أمل فيكِ يا عفاف!
الكل بدأ يخرج، وكلامهم طالع لفوق.. مش معقولة.. حرام عليكي.. البنت تعبت وهي جاية تخدمها وهي تعمل كده!.. عفاف وقفت لوحدها في الصالة، وشها مفيش لون، ومش عارفة ترد على حد!
الجزء الثالث الحدود تُرسم والبيت يُعاد بناؤه
الباب اتقفل ورا الناس.. وبقينا أنا ومازن وعفاف بس في الشقة.. الصمت كان تقيل وموجوع، ومفيش حد عايز يتكلم الأول. عفاف قعدت على الكرسي، وشها منكس، وشكلها لأول مرة حاسة إنها غلطانة.
مازن بص لي أولًا آسف يا مريم.. آسف من كل قلبي على كل كلمة سمعتيها وعلى كل موقف مرّيتي بسببي.. أنا كنت أعمى وما شفتش الحقيقة غير النهاردة. سامحيني لو تقدرين!
أنا مسامحاك يا مازن.. ده مش ذنبك. رديت بهدوء. بس لازم نعرف إن من النهاردة، الحدود لازم تتوضح.. في بيتي ده، الكل ليه احترامه، ومحدش يقدر يقلل من حد مهما كان السبب!
بعدين التفت لعفاف وأنتِ يا طنط.. أنا استضفتكِ وحبيتكِ زي أمي.. بس اللي عملتيه ده مش مقبول أبداً. أنا عملت كل حاجة عشان تريحي، وبدلتِ النعيم جحيم. غيرتي مكان حاجاتي، سببتي عفشي، أهنتي في أكلي، وحاولتي تفضحيني قدام العيلة كلها.. ده كله وأنا ساكتة ومحترمتكِ كأم لجوزي. بس الصبر نفد!
عفاف رفعت راسها ببطء يعني إيه؟ عايزاني أمشي؟
لو أنتِ مرتاحة هنا باحترام وتقدير، تبقي
أهلاً وسهلاً.. رديت بكل ثبات. بس لو استمريتي على نفس الأسلوب، يبقى الأفضل ليكِ ولينا إنكِ تروحي وترتاحي ونرتاح. البيت مش مجرد جدران وأثاث.. البيت احترام وثقة ومحبة. وده اللي مفقود بيننا دلوقتي!
مازن قرب من أمه وقال بجدية مريم معاها حق يا أمي.. أنا بحبك وبحترمك، بس ما أقدرش أسمح لحد يأذي مراتي في بيتي ولو أنتِ.. إما تتغيري وتحترميها، أو تفضلي في بيتك في طنطا ونزوركِ أنا وهي. ده أقل من حقها عليّ!
عفاف بصت لينا الاتنين.. لأول مرة شافتنا واقفين صف واحد، مش أنا وهي في وجه بعض وهو بيننا متردد. دموعها نزلت ببطء أنا.. أنا ما كنتش عايزة أأذي حد.. بس خفت.. خفت أتغير مكاني في قلبك يا مازن.. خفت تبعد عني لما تتجوز!
أنا ما بتبدلش يا أمي.. أنا ابنك وهدومك.. بس ده مش معناه إنك تهدّي بيتي عشان تبقي مرتاحة! رد مازن بكل حنان وحزم في نفس الوقت. الحب ما بيأخذ إلا بزيادة.. لو حبيتي مريم، هتزيدي حبك عندي، مش هتنقصي!
عفاف سكتت.. تفكر في الكلام ده لأول مرة بجد.. ربما كانت طول السنين فاكرة إن الجواز يعني خسارة لابنها، وإنها لازم تحارب عشان تحتفظ بمكانتها.. وما عرفتش إنها كانت بتخسره أكتر كل ما تحارب!
أنا آسفة.. قالت بصوت خافت ومكسور. آسفة يا مريم.. على كل حاجة. ممكن نبدأ من جديد؟ بس بشرط.. أسامحيني لو أخطأت، وتعلميني إزاي أكون أم تانية ليكِ مش عدوّ!
دمعة نزلت من عيني.. مش ضعف، بس فرحة إن الباب لسه مفتوح بكل سرور يا طنط.. بس بشرط واحد.. نحترم حدود بعض.. بيتي بيتكِ، بس أنا ربة البيت هنا.. ومحدش يأمرني ولا ينهاني في مطبخي ولا في حياتي!
اتفقنا.. قالت بكل تواضع لم أشهده منها من قبل. اتفقنا يا بنتي!
الجزء الرابع البداية الجديدة والحدود تُبنى بالحب والاحترام
مرت الأيام.. والأمور بدأت تتغير ببطء. عفاف كانت تحاول.. أحياناً تخطئ، بس كانت بتعتذر بصدق. لما تحب تطبخ، بتقوليلي قبل ما تدخل المطبخ، وبسألها تحب تساعدني ولا تطبخ لوحدها.. وكنت أضحك وأقول لها المطبخ ملككِ وأنا معاكي.. بس اللي نتعاون نعمل أحلى أكل!
علمتها إن الطاسة التيفال بتتغسل باسفنج ناعم مش بسلك خشن، وشرحتلها إن كل حاجة في البيت ليها مكان عشان نلاقيها بسرعة.. وبدأت تسألني قبل ما تغير أي حاجة مكانها!
وذات يوم، كنت جاية من الشغل متعبة، لقيت المطبخ نظيف والأكل معدي.. عفاف عملت محشي وكفتة زي ما كنت بعملهم، وقالتلي بابتسامة تعلمت منكِ.. الملح على قدّه، والبهارات متعادلة.. قوليلي بقى حلو ولا وحش؟!
دوقت.. كان حلو أوي! حلو أوي يا طنط.. أحسن مني كمان!
ضحكت بفرحة حقيقية شفتي؟ لو اتفقنا نعمل أحسن من كلنا لوحدنا!
مازن كان أسعد الناس باللي بيحصل.. كان بيشوفنا قاعدين مع بعض، نحكي ونضحك، ونخطط للي جاي.. وذات مسا، قعد بينا وقال ده اللي كنت بتمناه من أول يوم.. عيلة واحدة بتحب بعض، بتحترم بعض، ومفيش غل ولا حسد. شكراً يا مريم لأنكِ صبرتي.. وشكراً يا أمي لأنكِ فهمتي!
وبعد ما خلصت الفحوصات والتحاليل، قررت عفاف والحاج فريد يرجعوا طنطا.. بس قبل ما يمشوا، عفاف سحبتني على جنب وقالت كل أسبوع هنيجي نقعد معاكم يومين.. وأنتوا تعالوا لنا كمان.. عايزة أعرف إني لسه عندي بيت هنا.. وعايزة أعرف إن لي بنت تانية اسمها مريم!
حضنتها بكل دفء البيت بيتكِ دايماً يا طنط.. وأنا بنتكِ اللي تحبكِ وتحترمكِ!
ركبوا العربية ومشوا.. وأنا ومازن وقفنا نودعهم.. لما اختفت العربية، مسك مازن إيدي وقال شكراً يا حبيبتي.. لأنكِ حولتي الجحيم لجنة.. وعلمتيني إن الصبر والاحترام أقوى من أي صوت عالي!
الحمد لله اللي جمعنا على خير.. رديت وأنا باصة له. المهم إننا بقينا عيلة واحدة.. والبيت ده بقى بيت الكل!




