روايات وققص

لقيت رجل مشرد

لقيت راجل مشرد لابس دعامة في رجله، فسمحت له ينام ليلة واحدة على الكنبة عندنا بس عشان ابني ما كانش قادر يبطل يبص له وهو بيرتعش من السقعة.
تاني يوم الصبح، نزلت شغلي وأنا متأكدة إنه هيكون مشي قبل ما أرجع.
لكن لما فتحت باب بالليل
اتجمدت مكاني.
كان لسه جوه.

واللي عمله في شقتي وأنا بره، خلّى الدم يهرب من وشي.
الحكاية بدأت قدام سوبر ماركت في القاهرة، في واحدة من أبرد الليالي اللي عدّت علينا في الشتوية دي.
كنت أنا وابني آدم داخلين نجيب لبن، وكورن فليكس، وأي خضار أقدر أدبّره معانا لحد آخر الأسبوع.
كنت لسه راجعة من شيفت ١٠ ساعات في دار رعاية، رجلي بتوجعني من كتر الوقفة، وكل اللي كنت عايزاه إني أرجع البيت، أسخن لنا البواقي اللي في التلاجة، وأنيم آدم.
لكن فجأة
آدم وقف مكانه.
ماما.
كنت بحاول أوازن كيسين المشتريات على جنبي.
في إيه؟
أشار ناحية الحيطة المبنية بالطوب، جنب باب السوبر ماركت الأوتوماتيك.
كان فيه راجل قاعد على الأرض، ضهره لازق في الحيطة.
شكله في أواخر التلاتينات أو أوائل الأربعينات.
الجاكت اللي لابسه كان قديم وخفيف جدًا على البرد، وجزمة واحدة كانت متبهدلة ومقطوعة من قدام، وفي دعامة طبية سودا كبيرة محاوطه ركبته اليمين.
وجنبه شنطة سفر قماش قديمة.
ماكانش ماسك لافتة يطلب فيها فلوس.
وماكانش بيوقف الناس يستعطفهم.
كان بس قاعد، حاطط إيديه تحت دراعاته وضم نفسه على قد ما يقدر، وبيحاول يمنع جسمه من الرعشة بسبب السقعة.
آدم فضل باصص له.
لمست كتفه بهدوء.
يلا يا حبيبي.
لكنه سأل
هو هينام فين؟
كنت عارفة إن السؤال ده هييجي.
معرفش.
بس الجو ساقعة أوي.
عارفة.
آدم كان عنده ٩ سنين.
لسه صغير، بس كبير كفاية إنه يفهم إن الدنيا مش دايمًا عادلة.
وفي نفس الوقت، لسه صغير كفاية إنه يصدق إن الكبار عندهم القدرة يصلحوا كل حاجة.
بص للراجل تاني.
وبعدين بص لي.
ممكن نساعده؟
كنت على بُعد ثانية واحدة إني أقول له لأ.
إحنا أصلًا بالعافية واقفين على رجلينا.
الإيجار متأخر ٣ أسابيع.
وفاتورة الغاز مرمية ومقفولة فوق ترابيزة المطبخ، لأني أصلًا عارفة المبلغ اللي فيها ومش عايزة أشوفه.
آدم كان محتاج جزمة جديدة ضروري، وأنا بقالي شهور بلف الفلوس بين الفواتير عشان أعرف أوفّر الأساسيات وأفضل منورة في البيت.
ماكانش عندي فلوس زيادة.
وبالتأكيد ماكانش عندي مكان في حياتي أستقبل فيه شخص غريب تمامًا.
لكن آدم فضل باصص للدعامة اللي في رجل الراجل.
وأخيرًا
تنهدت ومشيت ناحيته.
أول ما قربت، الراجل رفع عينه لي.
أنا مش بطلب حاجة.
صوته كان مرهق، لكنه ثابت.
عارفة.
سكت شوية، وبعدين سألته
عندك مكان تبات فيه الليلة دي؟
بص ناحية الشارع اللي بدأ التلج ينزل فيه.
فيه ملجأ على بُعد حوالي ٦ كيلو اتصلت بيهم، بس قالوا إن المكان كامل.
آدم قرب خطوة مني.
الراجل لاحظه وابتسم له ابتسامة صغيرة تعبانة.
آدم سأله بعفوية
إيه اللي حصل في رجلك؟
بصيت لابني بسرعة.
آدم!
لكن الراجل قال
عادي.
وخبط بإصبعه على جنب الدعامة.
حادثة شغل.
آدم سأل
بتوجعك؟
ساعات.

الإجابة دي عملت حاجة جوا ابني.
بص لي.
وأنا كنت عارفة هو عايز يقول إيه.
إحنا عايشين في شقة صغيرة أوضتين، وعندنا كنبة قديمة متهالكة، شافت أيام أحسن بكتير.
وفي نفس الوقت، كنت فاكرة كل التحذيرات اللي سمعتها طول عمري عن إنك ما تدخلش حد غريب من الشارع بيتك.
ومع ذلك
لقيتني بقول
تقدر تنام عندنا على الكنبة الليلة دي.
الراجل فضل باصص لي كأنه مش مصدق.
نعم؟
ليلة واحدة بس.
اتكلمت بنبرة حازمة
تاخد دش سخن، تاكل حاجة، وتنام على الكنبة وبكرة الصبح لازم تمشي.
بص لي باستغراب.
يا مدام، إنتِ ما تعرفينيش.
لأ، ما أعرفكش.
دي مخاطرة كبيرة.
عارفة.
بص لآدم، وبعدين رجع بص لي.
اسمي كريم.
وأنا داليا.
وأشرت لابني.
وده آدم.
كريم حاول يقوم من على الأرض، وسند بكل قوته على الحيطة بسبب رجله.
وقال
شكرًا.
قلت له
بس أوعى تخليني أندم على اللي عملته.
رد بهدوء
أوعدك.
طول الطريق للبيت وأنا بسأل نفسي للمرة الألف أنا عملت إيه؟
كريم كان قاعد في الكرسي الخلفي، حاطط شنطته على رجله.
ماكانش بيسألني أسئلة شخصية.
ولا بيتدخل في أي حاجة.
ولا حتى اشتكى من برد العربية.
ولما وصلنا العمارة، أصر يشيل كيس المشتريات التقيل، رغم إني قلت له أسيبهولي.
أول ما دخلنا الشقة، طلعت له ترينج قديم وهودي كانوا بتوع طليقي.
كريم دخل أخد دش سريع وهادئ.
وبعدها قعدنا حوالين ترابيزة المطبخ الصغيرة وأكلنا مكرونة بالصلصة.
آدم كان بيتكلم تقريبًا طول الوقت.
حكاله عن المدرسة، وعن مشروع البركان اللي بيعمله في رابعة ابتدائي، وعن ولد في فصله كان بيقسم إنه يقدر يعمل تجشؤ على شكل حروف الأبجدية كلها.
كريم كان بيسمعه باهتمام غريب.

يهز راسه مع كل تفصيلة، كأن كل كلمة بيقولها آدم مهمة فعلًا.
بعد الأكل، كريم لاحظ صوت الميه اللي بتنقط من حنفية المطبخ.
قال
الحنفية دي محتاجة تغيّر الجلدة.
ضحكت وقلت
وأنا محتاجة أغيّر صاحب العمارة.
ابتسم ابتسامة حقيقية.
وبعدين بص ناحية باب الشقة.
قبل ما ييجي، كنت اضطريت أخبط بكتفي فيه كذا مرة عشان اللسان بتاع الكالون يمسك.
قال
الباب ده خارج من مكانه خالص.
بقاله كده من شهر أغسطس.
وصاحب العمارة ما صلحوش؟
بطلت أطلب.
كريم ما سألش تاني.
قبل ما أنام، أخدت شنطتي والملف اللي فيه أوراقي المهمة، ودخلتهم أوضة نومي، وقفلت الباب بالمفتاح.
حسيت بوخزة ذنب.
لكن قلت لنفسي بسرعة
كوني طيبة مش معناه إني أبقى ساذجة.
وقبل ما أدخل الأوضة، قلت لكريم
أول ما تصحى تقدر تمشي. أنا شغلي بيبدأ بدري جدًا.
هكون مشيت من طريقك.
فيه بيض في التلاجة لو عايز تفطر.
بص لي بصدمة حقيقية.
إنتِ عملتي أكتر من كفاية.
ابتسمت وقلت
بس إوعى تقرب من كورن فليكس الشوكولاتة بتاع آدم هيعملك محضر.
من آخر الطرقة، آدم صرخ

أنا سمعتك يا ماما!
ولأول مرة طول الليلة
كريم
ضحك من قلبه.
تاني يوم الصبح، خرجت من البيت قبل الساعة ٦.
كريم كان لسه نايم على الكنبة.
وطول الشيفت، حاولت أطرد الموضوع من دماغي.
الساعة ٩، لقيت نفسي بفكر
يا ترى قام ومشي؟
الساعة ١٢، بدأت أقلق
هو قفل أوضة نومي بالمفتاح كان كفاية؟
الساعة ٣، كنت على وشك أتصل بجارتنا وأطلب منها تطلع تبص على الشقة، لكن أجبرت نفسي أبطل تفكير.
ولما خلصت شغلي، كنت منهكة تمامًا، ومتضايقة من نفسي عشان كل الشكوك اللي في دماغي.
عديت على آدم من نشاط ما بعد المدرسة، وركبنا العربية ورجعنا البيت.
وأول سؤال قاله كان نفس السؤال اللي كان بيدور في دماغي
تفتكري كريم لسه عندنا؟
قلت
يا رب لأ.
وشه اتغير.
كده إنتِ قاسية يا ماما.
مش موضوع قسوة يا حبيبي. إحنا اتفقنا على ليلة واحدة بس.
طلعنا من الأسانسير في الدور بتاعنا.
لكن أول ما مشينا في الطرقة
حسيت إن فيه حاجة غريبة.
الجو نفسه كان مختلف.
كان فيه ريحة خفيفة للخميرة والعيش اللي لسه خارج من الفرن.
قلت لنفسي إن أكيد حد من الجيران بدأ يجهز العشا بدري.
دخلت المفتاح في كالون الباب.
لفيته.
فتحت الباب.
وبمجرد ما دخلت عيني أول خطوة جوه الشقة
اتجمدت مكاني.
ساد صمت قاطع في الممر، والدم اتسحب تماماً من وشي.
الشنط وقعت من إيدي على الأرض.
الشقة ما كانتش متسرقة ولا مقلوبة رأساً على عقب زي ما خيالي المريض صورلي طول الشيفت… الشقة كانت متحولة لمكان تاني خالص!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى