
ولا يوم.
قفلت الرسالة.
وعيطت.
مش عشان عرفت إني مش ابنه بالدم.
عيطت لأن الرجل اللي فقدته وأنا عندي عشر سنين…
طلع شايل أسرارًا ضخمة عشان يحميني.
وكان آخر شيء كتبه لي
سامحني يا ابني.
فهمت أخيرًا معنى الكلمة.
هو ما كانش بيعتذر لأنه سابني.
كان بيعتذر لأنه كان عارف إن الدنيا ممكن تسيبني لو هو مات.
فحاول يجهزني.
بعدها بأيام، روحت قبره.
وقفت قدام قبره وقلت
أنا عرفت كل حاجة يا بابا.
سكت لحظة.
وعرفت إنك ما كنتش محتاج تكون أبويا بالدم عشان تكون أبويا.
حطيت الورقة فوق قبره.
وإنت ما سبتنيش.
ابتسمت وسط دموعي.
إنت سبتلي ناس تحميني.
حسام كان واقف بعيد.
والحاجة فاطمة كانت جنبي.
بصيت لهم.
وفهمت إن العيلة مش دايمًا هي الناس اللي بيتكتب اسمهم في شهادة الميلاد.
العيلة هي اللي تلاقيها واقفة جنبك لما الدنيا كلها تمشي.
بعد سنوات، رجعت لنفس البلد.
نفس الطريق الترابي.
نفس المكان اللي نجلاء سابتني فيه وأنا طفل.
لكن المرة دي…
كنت نازل من عربية الشركة.
وقفت في نفس المكان.
بصيت للطريق الطويل.
افتكرت طفل صغير كان ماشي هنا وهو خايف وعطشان، ومش عارف هينام فين.
ابتسمت.
لأن الطفل ده…
ما ماتش.
كبر.
واتعلم.
ونجح.
وبدل ما يفضل طول عمره يسأل
ليه اتساب؟
بقى عارف الإجابة.
لأن اللي سابه كان شخص واحد.
لكن اللي أنقذه…
كانوا كتير.
وقبل ما أركب العربية، سمعت صوت ست كبيرة بتنادي من بعيد.
لفيت.
كانت واحدة من أهل البلد.
قالت
إنت مش ياسين ابن محمود؟
ابتسمت.
أيوه.
قالت
أبوك كان راجل محترم.
بصيت للطريق.
وقلت
عارف.
ثم ركبت العربية.
وأنا لأول مرة ما حسيتش إني فقدت أبويا.
حسيت إنه لسه موجود.
في كل قرار باخده.
في كل حد بساعده.
وفي كل مرة أشوف طفل لوحده…
وأفتكر نفسي.
ومن يومها، بقيت أخصص جزءًا من أرباح الشركة لمساعدة الأطفال اللي فقدوا أهلهم، خصوصًا اللي ما عندهمش حد يسأل عليهم.
لأنني كنت أعرف كويس…
إن أسوأ حاجة مش إن الطفل يخسر أبوه.
أسوأ حاجة…
إنه يصدق إن بعد أبوه ما بقاش له حد.
وأنا كنت محظوظًا.
لأن أبويا، قبل ما يموت، ترك لي أكثر من ورقة ورقم.
ترك لي طريقًا للنجاة.
وتركني مع أشخاص عرفوا قيمتي قبل ما أعرفها أنا.
أما نجلاء…
فخسرت البيت والمال والشركة، وقضت سنواتها تواجه نتيجة اختياراتها.
وفي النهاية، لم تأخذ مني شيئًا.
لأنها كانت فاكرة إن الثروة هي اللي تخلي الإنسان قوي.
لكنها اكتشفت متأخر جدًا…
إن أغلى ميراث تركه محمود لي لم يكن المال.
كان الحقيقة.
وكانت آخر جملة كتبتها أمي في رسالتها
الدم يصنع القرابة… لكن الحب هو اللي يصنع الأب.
ومن يومها…
ما ناديتش حسام باسمه.
ناديته
عمي.
وناديت الحاجة فاطمة
أمي.
أما محمود…
ففضل طول عمري
أبويا.
حتى لو ما كانش دمه في عروقي.
لأنه كان أول شخص في الدنيا اختارني…
وآخر شخص حاول يحميني حتى بعد ما مات.
النهاية.




